تتمة
من الطبيعي جدا أن يتأسس الحوار على قاعدة فكرية أو مبادئ و قيم و أخلاق أوحتى عقائد مشتركة، لكن ما يناف قواعد الحوار
من الطبيعي جدا أن يتأسس الحوار على قاعدة فكرية أو مبادئ و قيم و أخلاق أوحتى عقائد مشتركة، لكن ما يناف قواعد الحوار
نفسه هو عدم التفاهم على دلالات المصطلحات المستعملة فيه قبل الحديث عن أي قاعدة مشتركة للحوار، و إلا فإن أي حوار لن يكون إلا حوار طرشان أو في أحسن حالاته جدلا بيزنطيا لا طائلة من وراءه. و كي نناقش بعمق موضوعا من العيار الثقيل كمحاضرة الدكتور بايبس التي أشرنا لها في الجزء الأول من هذا الموضوع، لابد لنا من التفاهم أولا حول دلالات المصطلحات التي استعملها في محاضرته، و التي مكنتنا من الكشف على دلالة أخرى لمصطلح"الصهيونية" غير تلك القدحية السائدة في عالمنا العربي و الإسلامي. لقد عمد الدكتور بايبس إلى تبسيط دلالة مصطلح "الصهيونية" مسقطا صفة "صهيوني" على أي شخص يرتبط عاطفيا أو عقائديا بصهيون - المقصود هنا أورشليم القدس-، ليكون بذلك قد أخرج الصهيونية من بيئتها التقليدية اليهودية موسعا دائرة استقطابها لتشمل أتباع الأديان السماوية الثلاث -اليهود؛ المسيحيين و المسلمين- إذا أخذنا في الإعتبار ارتباطهم العقائدي بصهيون.
إن تبسيط دلالة مصطلح الصهيونية سيساعد على توسيع دائرة حديثنا عن "صهيونيات متنوعة" يحكمها التنوع الثقافي؛ التاريخي و
الحضاري لأتباعها، و هو التنوع الذي أنتج لنا "صهيونية يهودية" جمعت اليهود بالأرض المقدسة، و أخرى مسيحية داعمة لهذا الوجود، و " صهيونية إسلامية" مدعية الحق في الأرض المقدسة للمسلمين حسب وصف الدكتور بايبس .
إن إسقاط صفة "الإسلامية" على الصهيونية الرافضة أو المعادية لوجود اليهود بالأرض المقدسة، من شأنه أن ينحو بعقول البعض
إلى اعتبار القرآن مصدر الإسلام مصدر رفض وعداء لهذا الوجود، إلا أن مثل هذا الكلام سرعان ما يفقد قوته و مصداقيته و دقته العلمية إذا ما اقترن الحديث عنه بالحديث عن "الصهيونية الإسلامية الأصولية" الداعمة لحق اليهود في الوجود بالأرض المقدسة، و التي تنسف في الآن ذاته بقوة القرآن القاعدة التي تأسست عليها ما اصطلح عليه الدكتور بايبس "الصهيونية الإسلامية".
و بما أننا مسلمين "صهاينة" حسب تعريف الدكتور بايبس يوحدنا الإرتباط العقائدي بصهيون - أورشليم القدس-، فما الذي يفسر إذن
خلافنا القائم في المواقف حول قضية ما يسمى"صراع الشرق الأوسط"؟!!. هل خلافنا حول القضية هو مجرد خلاف سياسي فقط؟ أم أن لذلك خلفيات أخرى تؤثر في المواقف المتشددة لبعض المسلمين "الإسلاميين"؟. فإذا كانت المرجعية التي توحدنا تتمثل في -القرآن-، فهل خلافنا حول القضية ناتج عن تؤيلات متعددة لهذا القرآن؟ أم أن هناك تأثيرات أخرى من خارج دائرة هذا الكتاب؟ لنطرح السؤال بصيغة مغايرة و بأسلوب مختصر قائلين:
هل الحركات المسماة "إسلامية" تتبنى صهيونية ترقى لأن نسميها "إسلامية"؟؟
هل الحركات المسماة "إسلامية" تتبنى صهيونية ترقى لأن نسميها "إسلامية"؟؟
هذا السؤال يضاف إلى التساؤل الذي استهل به الدكتور دانييل بايبس محاضرته و لا أرى غرابة في أي منهما على الإطلاق، بل
على العكس من ذلك السؤالان مهمان و ضروريان في وقتنا الحاضرالذي يشهد مآسي يومية تضاف إلى سابقاتها منذ بداية ما كان يسمى "الصراع العربي الإسرائيلي"، الذي توسع ليصبح صراعا مع أمة تتعدد فيها الأعراق و تتوحد في عقيدة واحدة "الصراع الإسلامي الإسرائيلي"، ليكون بذلك قد أخذ بعدا أيديولوجيا بحكم البعد الأيديولوجي للأرض عند المسلمين، و هو مؤشر قوي على حتمية الحل الأيديولوجي مستقبلا بالرغم من الحراك السياسي الرامي إلى إيجاد حل سياسي للقضية، و كأن القضية في جوهرها قضية حدود و معابر بين دولتين يمكن حلها سياسيا و ليست قضية وجود؟!!. يأتي هذا الحراك في زمن اشتد فيه العداء لليهود و تعالت فيه نداءات قيادات سياسية و دينية إسلامية بارزة داعية إلى "محو إسرائيل من على الخريطة"، و هي النداءات التي تذكرنا بمثيلاتها التي رفعها العرب خلال الستينات حين نادوا "برمي اليهود في البحر" أي إفراغ الأرض المقدسة من اليهود.
مثل هذه النداءات المعادية لوجود اليهود بالأرض المقدسة تزيد من قناعاتنا كمؤسسين لتيار الصهيونية الإسلامية الأصولية أن الحلول
السياسية لن تحقق السلام الدائم و الشامل و العادل بالشرق الأوسط و لو بعد قرن من المفاوضات، بل نرى في مثل هذه الحراكات السياسية مجرد مضيعة للوقت و الجهد و المال، لأن المتحكم الحقيقي في الصراع ليست النخب السياسية المتفاوضة، بل المتحكم الحقيقي في ذلك هي النخب الأيديولوجية التي شرعنت لقتال اليهود على الأرض المقدسة؛ معتبرين ذلك فرض عين على كل مسلم و مسلمة حتى تحرير آخر شبر من "أرض فلسطين العربية الإسلامية" حسب لغة العرب و المسلمين أي"تدمير إسرائيل" بلغة اليهود و بلغتنا إفراغ الأرض المقدسة من اليهود.
و لفهم هذا الواقع المعقد، لابد لنا من إعادة الأشياء من حيث بدأت في سياقاتها التاريخية؛ الثقافية؛ السياسية؛ الإجتماعية؛ الإقتصادية إلى آخره من السياقات، أي إعادة قراءة تاريخ الصراع و الأطراف الفاعلة فيه بما فيهم من يسمون أنفسهم حركات "إسلامية"، بدءا بالحركات الدعوية و انتهاءا بالدموية المسماة "جهادية" كمتن دون إغفال المتون الأخرى المقابلة لها، و أقصد هنا القوميين العرب المعادين آنذاك لتوجهات "الإسلاميين"، ثم المتن المعادي لهما المتمثل في الحركة الصهيونية اليهودية و داعميها،
لنتمكن من الوقوف على الأسباب التاريخية و السياسية التي ساهمت في زيغان الحركات المسماة "إسلامية" عن مسارها الطبيعي و التي تشكل اليوم خطرا ليس على اليهود و داعميهم فقط بل على عموم المسلمين.
و لأغوص في تحليلي لهذا الواقع المرير أبدء من حيث بدء الدكتور بايبس محاضرته حيث قال: "هل يمكن أن تكون الصهيونية الإسلامية أقوى من الصهيونية اليهودية"؟!!. هذا السؤال سأجعل منه خاتمة هذا الجزء و الجواب عليه سيكون فاتحة الجزء الثالث من موضوعنا هذا، لندرس الأسباب التاريخية بكل حمولاتها و التي ساهمت بقوة في تعقد الأزمة التي أدت إلى الانحراف السياسي لما يسمى "حركات إسلامية"، ثم لنزيل القناع عن زيف أطروحة بعض العمائم التي انساقت بدورها وراء خطابات العوام من السياسيين؛ فصاروا جنبا إلى جنب في طريق المتاجرة بالدين و بدماء الأطفال و النساء والشيوخ في البورصة السوداء للسياسة، سعيا منهم لتحقيق أهداف سياسية لصالح دول بعينها، مختبئين وراء شعارات عاطفية رنانة محشوة بمفردات دينية يدعون من خلالها الدفاع عن أبناء الأمة في وجه المشروع "الإستعماري الصهيوني لأرض فلسطين العربية الإسلامية"، و هي الشعارات التي سنكشف زيفها لأنها تخدم بالدرجة الأولى نظام ولاية الفقيه الذئب السياسي الذي لا يريح و لا يستريح. نظام ولاية الفقيه هذا الذي وظف كل الإمكانيات لفرض وجوده و أجندته السياسية و المذهبية و لو على حساب أمن و استقرار شعوب منطقة الشرق الأوسط ؛ موظفا لذلك شرذمة من قطاع الطرق بالمنطقة ممن يطلقون على أنفسهم إسم حركات مقاومة "إسلامية" -حماس؛ حزب الله؛ الجهاد الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر- و ما هم في الحقيقة إلا مجموعات من الشحاذين المتجارين بمصائر الشعوب، و خصوصا مصير الشباب المسلم المكتئب الذي جعلوه معلقا في مشانقهم الأيديولوجية، حيث صاروا قنابل بشرية موقوتة قابلة للانفجار في أي زمان و مكان، من أجل تحقيق أحلام رومانسية تتمثل في النصر الإلهي ضد إسرائيل و من تم بناء الدولة الفلسطينية الموعودة على "أرض فلسطين العربية الإسلامية" الأرض المقدسة.
