vendredi 8 août 2008

الصهيونية الإسلامية وجهان متناقضان .. الجزء الثاني

تتمة

من الطبيعي جدا أن يتأسس الحوار على قاعدة فكرية أو مبادئ و قيم و أخلاق أوحتى عقائد مشتركة، لكن ما يناف قواعد الحوار
نفسه هو عدم التفاهم على دلالات المصطلحات المستعملة فيه قبل الحديث عن أي قاعدة مشتركة للحوار، و إلا فإن أي حوار لن يكون إلا حوار طرشان أو في أحسن حالاته جدلا بيزنطيا لا طائلة من وراءه. و كي نناقش بعمق موضوعا من العيار الثقيل كمحاضرة الدكتور بايبس التي أشرنا لها في الجزء الأول من هذا الموضوع، لابد لنا من التفاهم أولا حول دلالات المصطلحات التي استعملها في محاضرته، و التي مكنتنا من الكشف على دلالة أخرى لمصطلح"الصهيونية" غير تلك القدحية السائدة في عالمنا العربي و الإسلامي. لقد عمد الدكتور بايبس إلى تبسيط دلالة مصطلح "الصهيونية" مسقطا صفة "صهيوني" على أي شخص يرتبط عاطفيا أو عقائديا بصهيون - المقصود هنا أورشليم القدس-، ليكون بذلك قد أخرج الصهيونية من بيئتها التقليدية اليهودية موسعا دائرة استقطابها لتشمل أتباع الأديان السماوية الثلاث -اليهود؛ المسيحيين و المسلمين- إذا أخذنا في الإعتبار ارتباطهم العقائدي بصهيون.

إن تبسيط دلالة مصطلح الصهيونية سيساعد على توسيع دائرة حديثنا عن "صهيونيات متنوعة" يحكمها التنوع الثقافي؛ التاريخي و
الحضاري لأتباعها، و هو التنوع الذي أنتج لنا "صهيونية يهودية" جمعت اليهود بالأرض المقدسة، و أخرى مسيحية داعمة لهذا الوجود، و " صهيونية إسلامية" مدعية الحق في الأرض المقدسة للمسلمين حسب وصف الدكتور بايبس .

إن إسقاط صفة "الإسلامية" على الصهيونية الرافضة أو المعادية لوجود اليهود بالأرض المقدسة، من شأنه أن ينحو بعقول البعض
إلى اعتبار القرآن مصدر الإسلام مصدر رفض وعداء لهذا الوجود، إلا أن مثل هذا الكلام سرعان ما يفقد قوته و مصداقيته و دقته العلمية إذا ما اقترن الحديث عنه بالحديث عن "الصهيونية الإسلامية الأصولية" الداعمة لحق اليهود في الوجود بالأرض المقدسة، و التي تنسف في الآن ذاته بقوة القرآن القاعدة التي تأسست عليها ما اصطلح عليه الدكتور بايبس "الصهيونية الإسلامية".

و بما أننا مسلمين "صهاينة" حسب تعريف الدكتور بايبس يوحدنا الإرتباط العقائدي بصهيون - أورشليم القدس-، فما الذي يفسر إذن
خلافنا القائم في المواقف حول قضية ما يسمى"صراع الشرق الأوسط"؟!!. هل خلافنا حول القضية هو مجرد خلاف سياسي فقط؟ أم أن لذلك خلفيات أخرى تؤثر في المواقف المتشددة لبعض المسلمين "الإسلاميين"؟. فإذا كانت المرجعية التي توحدنا تتمثل في -القرآن-، فهل خلافنا حول القضية ناتج عن تؤيلات متعددة لهذا القرآن؟ أم أن هناك تأثيرات أخرى من خارج دائرة هذا الكتاب؟ لنطرح السؤال بصيغة مغايرة و بأسلوب مختصر قائلين:
هل الحركات المسماة "إسلامية" تتبنى صهيونية ترقى لأن نسميها "إسلامية"؟؟
هذا السؤال يضاف إلى التساؤل الذي استهل به الدكتور دانييل بايبس محاضرته و لا أرى غرابة في أي منهما على الإطلاق، بل
على العكس من ذلك السؤالان مهمان و ضروريان في وقتنا الحاضرالذي يشهد مآسي يومية تضاف إلى سابقاتها منذ بداية ما كان يسمى "الصراع العربي الإسرائيلي"، الذي توسع ليصبح صراعا مع أمة تتعدد فيها الأعراق و تتوحد في عقيدة واحدة "الصراع الإسلامي الإسرائيلي"، ليكون بذلك قد أخذ بعدا أيديولوجيا بحكم البعد الأيديولوجي للأرض عند المسلمين، و هو مؤشر قوي على حتمية الحل الأيديولوجي مستقبلا بالرغم من الحراك السياسي الرامي إلى إيجاد حل سياسي للقضية، و كأن القضية في جوهرها قضية حدود و معابر بين دولتين يمكن حلها سياسيا و ليست قضية وجود؟!!. يأتي هذا الحراك في زمن اشتد فيه العداء لليهود و تعالت فيه نداءات قيادات سياسية و دينية إسلامية بارزة داعية إلى "محو إسرائيل من على الخريطة"، و هي النداءات التي تذكرنا بمثيلاتها التي رفعها العرب خلال الستينات حين نادوا "برمي اليهود في البحر" أي إفراغ الأرض المقدسة من اليهود.
مثل هذه النداءات المعادية لوجود اليهود بالأرض المقدسة تزيد من قناعاتنا كمؤسسين لتيار الصهيونية الإسلامية الأصولية أن الحلول
السياسية لن تحقق السلام الدائم و الشامل و العادل بالشرق الأوسط و لو بعد قرن من المفاوضات، بل نرى في مثل هذه الحراكات السياسية مجرد مضيعة للوقت و الجهد و المال، لأن المتحكم الحقيقي في الصراع ليست النخب السياسية المتفاوضة، بل المتحكم الحقيقي في ذلك هي النخب الأيديولوجية التي شرعنت لقتال اليهود على الأرض المقدسة؛ معتبرين ذلك فرض عين على كل مسلم و مسلمة حتى تحرير آخر شبر من "أرض فلسطين العربية الإسلامية" حسب لغة العرب و المسلمين أي"تدمير إسرائيل" بلغة اليهود و بلغتنا إفراغ الأرض المقدسة من اليهود.
و لفهم هذا الواقع المعقد، لابد لنا من إعادة الأشياء من حيث بدأت في سياقاتها التاريخية؛ الثقافية؛ السياسية؛ الإجتماعية؛ الإقتصادية إلى آخره من السياقات، أي إعادة قراءة تاريخ الصراع و الأطراف الفاعلة فيه بما فيهم من يسمون أنفسهم حركات "إسلامية"، بدءا بالحركات الدعوية و انتهاءا بالدموية المسماة "جهادية" كمتن دون إغفال المتون الأخرى المقابلة لها، و أقصد هنا القوميين العرب المعادين آنذاك لتوجهات "الإسلاميين"، ثم المتن المعادي لهما المتمثل في الحركة الصهيونية اليهودية و داعميها،
لنتمكن من الوقوف على الأسباب التاريخية و السياسية التي ساهمت في زيغان الحركات المسماة "إسلامية" عن مسارها الطبيعي و التي تشكل اليوم خطرا ليس على اليهود و داعميهم فقط بل على عموم المسلمين.
و لأغوص في تحليلي لهذا الواقع المرير أبدء من حيث بدء الدكتور بايبس محاضرته حيث قال: "هل يمكن أن تكون الصهيونية الإسلامية أقوى من الصهيونية اليهودية"؟!!. هذا السؤال سأجعل منه خاتمة هذا الجزء و الجواب عليه سيكون فاتحة الجزء الثالث من موضوعنا هذا، لندرس الأسباب التاريخية بكل حمولاتها و التي ساهمت بقوة في تعقد الأزمة التي أدت إلى الانحراف السياسي لما يسمى "حركات إسلامية"، ثم لنزيل القناع عن زيف أطروحة بعض العمائم التي انساقت بدورها وراء خطابات العوام من السياسيين؛ فصاروا جنبا إلى جنب في طريق المتاجرة بالدين و بدماء الأطفال و النساء والشيوخ في البورصة السوداء للسياسة، سعيا منهم لتحقيق أهداف سياسية لصالح دول بعينها، مختبئين وراء شعارات عاطفية رنانة محشوة بمفردات دينية يدعون من خلالها الدفاع عن أبناء الأمة في وجه المشروع "الإستعماري الصهيوني لأرض فلسطين العربية الإسلامية"، و هي الشعارات التي سنكشف زيفها لأنها تخدم بالدرجة الأولى نظام ولاية الفقيه الذئب السياسي الذي لا يريح و لا يستريح. نظام ولاية الفقيه هذا الذي وظف كل الإمكانيات لفرض وجوده و أجندته السياسية و المذهبية و لو على حساب أمن و استقرار شعوب منطقة الشرق الأوسط ؛ موظفا لذلك شرذمة من قطاع الطرق بالمنطقة ممن يطلقون على أنفسهم إسم حركات مقاومة "إسلامية" -حماس؛ حزب الله؛ الجهاد الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر- و ما هم في الحقيقة إلا مجموعات من الشحاذين المتجارين بمصائر الشعوب، و خصوصا مصير الشباب المسلم المكتئب الذي جعلوه معلقا في مشانقهم الأيديولوجية، حيث صاروا قنابل بشرية موقوتة قابلة للانفجار في أي زمان و مكان، من أجل تحقيق أحلام رومانسية تتمثل في النصر الإلهي ضد إسرائيل و من تم بناء الدولة الفلسطينية الموعودة على "أرض فلسطين العربية الإسلامية" الأرض المقدسة.


samedi 19 juillet 2008

الصهيونية الإسلامية وجهان متناقضان .. الجزء الأول


تتمة

تصور معي أينا كنت و أينما وجدت أنك ضيفا على إحدى القنوات الفضائية العربية التي تحضى بقاعدة شاسعة من المشاهدين؛ فسألك مضيفك على القناة بأسلوب محاولا إثارة أعصابك على طريقة فيصل القاسم قائلا لك مثلا:
- يا أخي أريد منك جوابا واضحا و صريحا دون لف أو دوران، لماذا تحشرون أنفسكم فيما لا يعنيكم؟ أنت و أمثالك و كل من هب و دب يريد الحديث لنا عن القدس و كأن القدس لا أهل لها؟.. ما علاقتك بالقدس و موطنك يبعد عنها بآلاف الكيلومترات؟.. تفضل بالجواب.... فأجبت بهدوء و برودة أعصاب قائلا له: <الناس يحترمون القناعات حين نتحدث عنها بصراحة، لذا سأجيبك بكل وضوح و صراحة .. اعلم يا أخي أني إن لم أسكن بالقدس يوما فقد سكنت بداخلي أعواما و قرونا.. تبادلنا على مدى هذه المرحلة حبا كبيرا إلى أن صار عشقا؛ و العشق صار عقيدة؛ و العقيدة صارت هوية، لذا فمن حقي الحديث عن هويتي و عقيدتي و عشقي، و ليس لأحد الحق في محاصرتي أو مصادرة هذا الحق مني، بل ليس من المعقول أو المقبول أن أسمح لغيري بالحديث نيابة عني ما دمت أدرى الناس بخصوصيتي>. في هذه الحالة أنا على يقين من أنك ستلاقي التقدير و الإحترام من كل المشاهدين و حتى من مضيفك على القناة. لكن، إذا ما حاولت أن تعبر عن حبك للقدس -المقصود هنا أورشليم أو صهيون مترجم- وقلت بأسلوب مختصر و صيغة مغايرة:< أنا صهيوني و يشرفني ذلك> فاعلم أنك تواجه محرقة، لأن كلمة الصهيونية أو صهيوني تفقد كل دلالاتها بمجرد اصطدامها بطبلة أذن العربي أو المسلم؛ لما ألحق لها من دلالات قدحية من المفكرين و السياسيين و الإعلاميين و حتى من رجال الدين، لتصبح في النهاية عرضة لكل المخاطر و الإتهامات، بدءا بالجاسوسية و العمالة لإسرائيل؛ مرورا بالكفر و الردة و انتهاءا بفتوى من النخب الأيديولوجية تحلل سفك دمك على الطريقة الزرقاوية


لذا احذر أن تحاكيني عندما أقول:( أنا صهيوني و يشرفي ذلك) على الأقل أمثلك آليات الدفاع عن نفسي دون خوف أو مجازفة


بحياتي؛ و هي الآليات التي يفتقدها بعض مروجي مشروع التخويف من الإسلام المعروف بالإسلاموفوبيا، رواد الإسلامولوجيا الوصفية التعميمية من أمثال الدكتورة وفاء سلطان التي ادعت و بأسلوب أنفعالي شاذ كاد ليصل إلى حد الهستيريا، و ذلك في معرض ردها على سؤال مستفز من الدكتور فيصل القاسم على برنامج الإتجاه المعاكس حيث قالت بأعلى صوتها: إن ما نراه من صراع في الشرق الأوسط للإسلام الدور الأكبر في تأجيجيه .

ادعاءها ذاك دفعني لطرح السؤال مستغربا عن أي إسلام تتحدث هذه السيدة خصوصا أنها تدعي دراستها لهذا الأخير؟!!!. هل تقصد

بكلامها الإسلام كنص تابث أي القرآن؟؟ أم الإسلام كنص متحرك؟!!.. بمعنى؛ هل تقصد بكلامها الإسلام الرافضي أم الإسلام الناصبي أم الإسلام السلفي الوهابي أو المتطرف الشيعي و السني أو المعتدل من المذهبين؟؟!!!.. في وقت ظهرت فيه تسميات من قبيل الإسلاموية و الإسلام الفاشي و الإسلام الراديكالي المتطرف و الإسلام السياسي و الإسلام الدعوي و كأن لكل إسلام منهم مصدره المستقل عن الآخر؟؟!! علما أننا قد حسمنا في هذا الموضوع من قبل رافضين كل هذه التسميات، و ذلك انطلاقا من إيماننا المطلق كمسلمين، أن القرآن مصدر هذا الإسلام أرقى بكثير من أن يمثله أو ينطق باسمه شخص أو جماعة أو تنظيم أو حزب أو طائفة أو مذهب أو نظام سياسي، لأن مثل هذه التسميات تختزل الدين الإسلامي الحنيف في مجموعات بشرية أو مذهبية أو سياسية تخطئ و تصيب و الإسلام (القرآن) أرقى من أن يختزل في سلوكاتهم.

و كي أكون أكثر وضوحا في الحديث فإن الدكتورة السالفة الذكر تريد أن تقول للعالم بكلامها السابق أن القرآن جزء من مشكلة


الصراع بالشرق الأوسط ؛ داعية في الآن ذاته إلى محاصرته و فصله عن هذا الصراع لما يشكله من "خطر؟!!" على شعوب المنطقة و العالم بما في ذلك المسلمين أنفسهم. في حين نقول كمؤسسين لتيار الصهيونية الإسلامية الأصولية السياسية: أن القرآن جزء من الحل و ليس من المشكلة و هذا ما سنتبثه مستقبلا.

و لنغوص في هذا الموضوع أكثر، سنسلط الضوء على موضوع حساس جدا أثاره أحد كبار الباحثين و المتخصصين في قضايا الشرق


الأوسط و صديق تيارنا هذا، أحد صانعي صقور البيت الأبيض الدكتور دانييل بايبس الذي ألقى محاضرة بجامعة بار إيلان الإسرائيلية عنونها ب"الصهيونية الإسلامية"، لنجعلها قاعدة ارتكاز حقيقية ستمكن من فهم ما سأتحدث عنه مستقبلا، ثم لنكشف و لأول مرة في تاريخ الصراع عن الوجه الحقيقي لأولئك السياسيين المتطرفين "حزب الله؛ حماس؛ الجهاد الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر" المتاجرين بدماء الشيوخ و الأطفال و النساء لأهذاف فصائلية و فئوية ديقة، تخدم بالدرجة الأولى سياسات و أجندات دول بعينها؛ تسعى بدورها لربح مكاسب سياسية ولو على حساب الأبرياء من أبناء الأرض المقدسة. موهمين عوام الناس بأنهم حماة الدين و الوطن، مدعين في نفس الوقت تمثيلهم للمنظور القرآني في صراعهم مع اليهود حول الأرض المقدسة، رافضين دوما لأي تسوية للقضية على أساس اعترافهم بحق اليهود في الوجود على الأرض المقدسة؛ بدعوى أن أي اعتراف من هذا النوع من شأنه أن يناقض التوابث و المسؤوليات الأخلاقية و الدينية التي يتحملونها و التي تهذف في النهاية إلى تدمير إسرائيل على المدى القريب أو البعيد؛ رافعين لذلك شعارات من قبيل ـ لا اعتراف بشرعية وجودالإحتلا ل ـ و -الإحتلال حتما إلى زوال-. و هي التوابث التي سنجعل منها متحركات قابلة للتغيير، لنكون بذلك قد أسسنا لتوابث جديدة لا تتناقض مع توابثنا العقائدية كمسلمين و التي بدورها تتناقض جملة و تفصيلا مع ما يدعيه هؤلاء العوام من السياسيين السالف ذكرهم، لنكون قد سرنا في اتجاه عكس ما سار فيه هؤلاء غير متأثرين بخطاباتهم العاطفية لأنه من المستحيل أن نتبع أهواء من لا يعلمون، لأن عين الجبن اتباع بلا سبب شرعي يجزي و عين الحكمة أحكام.



و سعيا منا على نفس المسار دون أن نقيم وزنا لأحد، سنكشف و لأول مرة في التاريخ عن المخطط الإرهابي و العنصري الخفي الذي يهدد الإستقرار بمنطقة الشرق الأوسط،؛ الذي تتزعمه زمرة الدكتورة وفاء سلطان و الدكتور بسام درويش و من صار في فلكهما من الإسلاموفوبيين المختبئين خلف عباءة -العلمانية الفضفاضة- و التي سنضعها تحت المجهر من جديد، كي نكشف عن الإرهاب الفكري الذي يروج له أبناء جلدتنا الذين يستغلون المؤسسات الديموقراطية في الغرب لتحقيق أهذافهم القذرة، مستغلين في ذلك و للأسف سداجة بعض اليهود الذين يصفقون لهم دون أن يدركوا حقيقة الخطر الذي يتهددهم من هؤلاء. و عليه نقول أن الإسلاموفوبيون يسيرون اليوم بحثيث الخطى إلى الخلف في وقت قد سابقناهم في الإتجاه الضد، ليدركوا بعد حين أننا هذ المرة نعد لهم الأيام عدا عكسيا.



هشام بوكرين

مهتم بنظرية الإعتراف الديني
مؤسس تيار الصهيونية الإسلامية الأصولية

أما الآن سأترككم مع مقتطف من محاضرة الدكتور دانييل بايبس

الصهيونية الإسلامية

ar.danielpipes.org/article/3716 - 15k

بقلم دانيال بايبسNew York Sun6 يونيو 2006

المصنف الإنجليزي الأصلي: Muslim Zionism
ترجمة ع. ز.



هل يمكن أن تكون الصهيونية الإسلامية أقوى من الصهيونية اليهودية؟


على الرغم من أن السؤال قد يبدو غريبا مناف للطبيعة والعقل إلا أنه ليس كذلك.
نشأت الصهيونية اليهودية عن حب ثابت مستقر للقدس (أورشليم) عمره ثلاثة آلاف سنة لم يتوقف عن النمو رغم الشتات الذي أدى إلى استقرار اليهود بعيدا عن مدينتهم المقدسة. هذا الحب لصهيون (المقصود هنا القدس أو أورشليم – المترجم) ألهم أكثر الحركات القومية تميزا في القرن العشرين، حركة بثت الحماس والدافعية في شعب مشتت من أجل العودة إلى الوطن القديم، وإحياء لغة ميتة، وإقامة دولة جديدة – والقيام بذلك في وجه معارضة شديدة قوية.
في المقابل تتمتع الصهيونية الإسلامية بتاريخ مشروط وغريب الأطوار، قائم على رؤية ذرائعية للمدينة (الذرائعية هي مذهب يقول أن الأفكار وسائل للعمل وأن فائدتها هي التي تقرر قيمتها – المترجم). في كل مرة ظهرت وبرزت القدس (أورشليم أو صهيون) كمسألة هامة ومحورية في الاهتمامات والمصالح الدينية والسياسية الإسلامية منذ القرن السابع، كان هذا البروز استجابة لحاجات نفعية محددة. وعندما بدأت القدس (أورشليم) تخدم أغراضا لاهوتية دينية أو سياسية نمت المدينة وكبر حجمها في احترام وتقدير وانفعالات المسلمين. وعندما ضعفت وزالت تلك الحاجات تضائل اهتمام المسلمين فورا وبدون إبطاء. لقد تكرر هذا النمط الدوري ستة مرات طوال 14 قرنا.
في المرة الأولى يخبرنا القرآن كيف أن الله أمر محمد عام 622 أن يصلي بحيث تكون قبلته القدس (أورشليم) ثم بعد 17 شهرا أمره بأن يصلي جهة مكة. وتتفق المصادر الأدبية العربية على أن الفترة التي كانت فيهاالقدس (أورشليم) قبلة المسلمين إنما كانت محاول فاشلة من أجل كسب اليهود ودخولهم الدين الإسلامي الجديد.
استمر هذا النمط النفعي في الأزمنة الحديثة. دفع الإهمال العثماني للقدس (أورشليم) في القرن التاسع عشر الروائي الفرنسي جوستاف فلوبيرت إلى وصفها كالتالي "الخراب في كل مكان، ورائحة المقابر في كل مكان . . . المدينة المقدسة لثلاثة أديان تنهار وتتعفن بسبب الضجر والتخلي عنها وإهمالها." لقد عاد اهتمام العرب الفلسطينين بالقدس (أورشليم) فقط عقب غزوها من قبل البريطانيين في 1917، عندما استخدموها من أجل إثارة مشاعر الغضب ضد السيطرة الاستعمارية. وعقب استيلاء القوات الأردنية على المدينة في 1948 هبط الاهتمام مرة أخرى.
عاد هذا الاهتمام للحياة مرة أخرى في 1967 عندما أصبحت المدينة بكاملها تحت السيطرة الإسرائيلية. لقد ازداد حب المسلمين للقدس (أورشليم أو صهيون) وغضبهم من أجلها ازديادا كبيرا خلال العقود الأربعة السابقة إلى درجة أن الصهيونية الإسلامية تحاكي الصهيونية اليهودية محاكاة دقيقة. لاحظ هذين الشبهين:
الأهمية والدلالة الإنفعالية: قال إهود أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل الآن، في عام 1997 أن القدس تمثل "التعبير الأكثر صفاءا ونقاءا لكل الذي صلى اليهود من أجله، وحلموا به، وبكوا من أجله، وماتوا في سبيله طوال ألفي عاما منذ تدمير المعبد الثاني." من جانبه ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية، يكرر ويعيد كلمات أولمرت في عام 2000 قائلا أن القدس (أورشليم) "في أعمق أعماق شعورنا، شعور شعبنا وشعور كل العرب والمسلمين والمسيحيين."
العاصمة الأبدية: تحدث رئيس إسرائيل إيزر وايزمان إلى البابا جون بول الثاني وهو في طريقه لزيارة القدس (أورشليم) في مارس 2000 وذكره بأن المدينة تظل العاصمة "الأبدية" لإسرائيل. عقب ذلك بيوم واحد، رحب عرفات بزيارة البابا "لفلسطين ولعاصمتها الأبدية القدس." وبالمثل فإن الزعماء الدينيين اليهود والمسلمين الذين التقوا بالبابا تكلموا عن القدس بوصفها العاصمة الأبدية لكل منهم.
لقد لاحظ المحلل خالد دوران في عام 1999 أن "هناك محاولة لأسلمة الصهيونية . . . بمعنى أن المسلمين الفلسطينيين يقومون الآن بالاستيلاء على أهمية القدس (أورشليم) لليهود وتعلقهم بها ." (من المثير للاهتمام أن هذا الأمر يتبع نمطا أكبر للقومية العربية الفلسطينية تحاكي فيه القومية اليهودية.)
إن هذا الجهد يأتي بثماره، إلى درجة أن الإسرائيليين العلمانيين يقل تأثرهم بمسألة القدس (أورشليم) بينما تصبح الصهيونية الإسلامية أكثر حماسة انفعاليا وسياسيا من أصلها اليهودي. تأمل احتفال المتنافسين بأيام القدس (أورشليم).
يحيي ويحتفل يوم القدس لدى إسرائيل بذكرى توحيد المدينة تحت سيطرتها في عام 1967. ولكن، وكما يكتب إسرائيل هاريل في هاآرتيس لقد تراجع هذا الاحتفاء من درجة العطلة القومية إلى مجرد "عطلة للمجتمعات الدينية." في المقابل تم تأسيس النسخة أو الصورة الإسلامية ليوم القدس متأخرا عن الأصل اليهودي باحدى عشر عاما وعلى يد آية الله خوميني عام 1979. ويجذب يوم القدس الإسلامي ما يقرب من ثلاثمائة ألف في مدينة طهران البعيدة، ويكون مناسبة لإثارة الخطب الرنانة، وهو ينال التأييد والدعم بثبات عبر العالم الإسلامي.
في استطلاع للرأي العام سنة 2001 تبين أن 60% من الإسرائيليين يؤيدون تقسيم القدس (أورشليم). في الشهر الماضي أعلنت حكومة أولمرت خططها لتقسيم المدينة.
بناء على ذلك أخلص إلى أن استغلال المسلمين لصهيون (والمقصود هنا القدس أو أورشليم - المترجم) يمثل اليوم قوة أعظم من الحب اليهودي لصهيون.
النص السابق مقتطف من محاضرة رينيرت المتميزة التي ألقاها دانيل بايبس الأسيوع الماضي في القدس (أورشليم) لجامعة بار-إيلان.




Dr Daniel Pipes

dimanche 24 juin 2007

نظرية الإعتراف الديني و المنهج الستاتيكي المتطرف وجها لوجه

تتمة
قبل الاستمرار في تفنيد ادعاءات المنظومة الأرثوذكسية الستاتيكية المتطرفة أو بمعنى أدق المنهج
الستاتيكي الذي أنتج هذا التطرف الإرهابي، أرى ضرورة العودة للحديث عن أفق القارىء و معناه الحديث عن ثقافة المفسر للنص القرآني و السياق التاريخي، الثقافي، اللغوي، الاجتماعي و السياسي الذي أطر تفسيره أو تأويله للنص؛ أي أن هذا القارىء / المفسر/ المؤول/ يسقط تصوراته "أو رغباته" على النص انطلاقا من البيئة التي عاش فيها و الأدلوجة التي تبناها، و بلغة أخرى حسب إكراهات السياقات السابق ذكرها. إنه إذن لا يشرح النص انطلاقا مما قاله النص فعلا، بل انطلاقا مما قام به هو من تقويل لهذا النص بما يريد. و كي نلمس بعضا من هذا أرى ضرورة العودة لتحليل ما قاله النص على لسان الدكتورة دلكمبر أو ما قامته به من تقويل للنص بما تريد. و كي تكون الرؤية أوضح أبدأ ببعض دلالات الكلمات التي استعملتها هذه السيدة التي بنت عليها تؤيلا ادعت أنه منطوق النص و مقصوده في محاولة منها لهدم الأساس الذي بنيت عليه نظرية الاعتراف الديني.

كلنا نعلم أن كلمات اللغة الفرنسية ليست غنية بالقدر الكافي الذي يمكنها من استيعاب كل دلالات كلمات اللغة العربية، بل الجهل بالتاريخ الدلالي للكلمات يؤدي دائما للخلط الذي بدوره يوقع في كثير من المتناقضات، و هذا ما سنراه عندما نكشف على بعض من هذه الكلمات التي استعملتها السيدة دلكمبر فوقعت دون أن تعلم في أخطاء فادحة بنت عليها رؤية على مدى عقود من البحث الأكاديمي.

لن أرد على كل ما قالته الدكتورة دلكمبر بل سأكتفي ببعض الردود البسيطة التي أراها كافية لكشف الإرهاب الفكري الذي سعت لممارسته على أثير راديو روكيك الكيبيكي.

أولا: عديدة هي الأشياء التي تحدثت عنها الستاتيكية الفرنسية الدكتورة دلكمبر و من بينها سرقة المسلمين لأنبياء اليهود و من بينهم النبي إبراهيم الذي قالت عنه أنه يهودي و ليس مسلم كما يدعي المسلمون. هذا الكلام فيه كثير من المتناقضات، غامض و لا معنى له بالنسبة لي كمسلم، و السبب بسيط جدا يكمن في جهل السيدة دلكمبر بالتاريخ الدلالي لكلمة يهودي و كذا التاريخ الدلالي للكلمة المقابلة بالفرنسية التي استعملتها للدلالة على يهودي. فكلمة يهودي بالعربية مثلا تحمل ثلاث دلالات؛ دلالة الانتماء العرقي "بني إسرائيل"، دلالة الانتماء الجغرافي "يهودا"، و دلالة الانتماء الثقافي "اليهودية"، لكن في المقابل قد لا تحمل الكلمة الفرنسية عند الفرانكفونيين إلا دلالة الانتماء الثقافي و تفتقر لدلالتي الانتماء الجغرافي و العرقي، لذا فلا يمكن أن نقول بأن النبي إبراهيم "يهودي" لأنه لا تنطبق عليه كل دلالات كلمة يهودي بالعربية. لكن إذا ما أرجعنا الكلمة الفرنسية إلى سياقها التاريخي، الثقافي، اللغوي و الاجتماعي فلا تكاد تحمل إلا دلالة "الرأس بالأمازيغية" و هي وحدة إحصاء كانت معتمدة لدى قبائل يهود المغرب، و بفعل المتاجرة بين اللغة العبرية و الأمازيغية و لغات أخرى فيما بعد أدت إلى ظهور الكلمة التي استعملتها الدكتورة دلكمبر للدلالة على يهودي، لكن أصل الكلمة لا يحمل أي دلالة يمكنها أن تنطبق على النبي إبراهيم، بل من المضحك أن نقول أن النبي إبراهيم "رأس".
للإشارة فقط، مادامت السيدة آن ماري دلكمبر تجهل التاريخ الدلالي لكلمة يهودي ودلالة الكلمة المقابلة لها بالفرنسية فمن المؤكد أنها تجهل أيضا دلالات كلمة مسلم لغة و اصطلاحا.

ثانيا: ترهات أخرى ادعتها هذه السيدة حين قالت: أن مؤسس نظرية الاعتراف الديني تلاعب بكلمتي "بني إسرائيل" و "اليهود" كي يطمس بعض حقائق القرآن المعادية لليهود؛ بل المقصود في القرآن ببني إسرائيل هم مسلمون و ينادي بإسرائيل مسلمة". و هذا الكلام دليل آخر على سطحية المنهج الستاتيكي الذي اعتمدته في الرد على عبد القادر آملو، بل فضيحة أخرى تدل على جهل السيدة آن ماري دلكمبر للخطاب القرآني و سبب توظيفه لكلمتي بني إسرائيل و اليهود علما أنها انكبت على دراسة القرآن عدة عقود و الجواب على هذا الكلام بسيط جدا لا يجهله طلبة السنة الأولى في علوم القرآن. كلمة "اليهود" تستعمل دائما في آيات تدخل في إطار الجدل الديني بين القرآن و اليهود، أما كلمة بني إسرائيل فتستعمل دائما في آيات القصص و القصص مكون أساسي من مكونات ترسانة عقائد المسلمين، لذا فإن عبد القادر آملو لا يتلاعب بالكلمات كما ادعت السيدة دلكمبر بل هو أكثر دقة و براعة في الاستدلال؛ بنى نظريته على آيات عقائدية تحددها الكلمات المستعملة.

ثالثا: في تشويه مفضوح للآية 26 من سورة المائدة و بضحكات لم تخلوا من استهزاء حاولت الدكتورة آن ماري دلكمبر أن تقول للعالم بأن الآية نفسها تظهر مستوى حقد وتحريض القرآن للمسلمين ضد اليهود لاحتوائها على عبارات مشينة تنتقدهم و تصفهم ب [القوم الفاسقين]؛ بل الآية نفسها تفند ادعاءات عبد القادر آملو بحقيقة الوعد المزعوم في القرآن حيث تقول الآية:[ قال فإنها محرمة عليهم]، بل الأكثر من ذلك أن مؤسس النظرية قد أخفى الآية 26 من سورة المائدة كي لا تنكشف حقيقة ادعاءاته لأن الأرض المقدسة محرمة على بني إسرائيل و اليهود كما ذكرت الآية، بل حتى الوعد الذي تحدث عنه مؤسس النظرية لا وجود له لأنه منسوخ.
الرد على ترهات هذه السيدة بسيط جدا و لا يحتاج منا سوى إعادة قراءة الآية 26 من سورة المائدة التي تقول:[ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين]. عمدت السيدة دلكمبر على ارتكاب جناية التحريف في حق الآية 26 من سورة المائدة عن سبق إصرار و ترصد كي تنطق الآية بما يتناسب و أهواءها و رغباتها الإرهابية لإشعال حرب ضد نظرية الاعتراف الديني و مؤسسها و تيار الصهيونية الإسلامية الأصولية عموما. و لنفترض أن الآية 26 تحرض على العنف و الحقد ضد اليهود، فسنعمل على تطبيق نفس المنهج الذي أوصل السيدة دلكمبر لهذه النتيجة على سفر إشعيا من التوراة الذي ينتقد اليهود بشدة و قسوة أكثر من الآية 26، ما عسانا أن نقول في هذه الحالة؟ التوراة يحرض اليهود ضد من....؟؟؟؟.
لم تتوقف السيدة دلكمبر عند هذا الحد، بل تجاوزت حدود اختصاصها لتحدثنا عن النسخ في القرآن دون أن تعلم أن النسخ غير جائز في آيات القصص التي تشكل أهم مكونات عقائد المسلمين، لأن [العقائد لا تنسخ] و هي قاعدة لا يجهلها أي مبتدئ في علوم الفقه.

رابعا: النداء الذي وجهه عبد القادر آملو إلى المسلمين للاعتراف دينيا بحق اليهود و بني إسرائيل في الوجود على الأرض المقدسة جاء نتيجة بحث استمر لسنوات تابعته منه شخصيا؛ و تفعيلا لأحد بنود دستور المسلمين الذي يقول:[ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و باليوم الآخر ذلك خير و أحسن تؤيلا] سورة النساء الآية58. إنه إذن نداء لفتح جدل فقهي داخلي بين المسلمين على ضوء نظرية الاعتراف الديني يتوج بفتوى شرعية من أهل الاختصاص تعترف بحق وجود اليهود و بني إسرائيل على الأرض الموعودة لهم في التوراة بتأكيد من القرآن. إذن، فهو جدل بين المسلمين أنفسهم و لم يوجه لغيرهم. لذا، فإن أي حديث أو تعليق من غير المسلمين أهل الاختصاص لا يهمنا فما بالك إن كان انتقادات و إملاءات من السيدة دلكمبر التي تريد أن تملي علينا نحن المسلمين ما يجب أن نعتقده علما أن حصيلة ما قالته خلال عقود يدعوا لمحو آيات من القرآن بدعوى تحريضها على العنف و هو ما أفسره بفشل المنهج الستاتيكي في التعامل مع النص القرآني بعلمية.

أقول للسيدة آن ماري دلكمبر أنها تسرعت في الرد على مؤسس النظرية لأنه لم يعرض أدلته بعد و لم يفتح أي جدل فقهي رسمي بين المسلمين أهل الاختصاص؛ لذا فالأجدر بالدكتورة دلكمبر أن تتريث إلى حين سماع رأي علماء المسلمين إن كان لهم رأي في ذلك، بل إني أقول أن لا أحد من فقهاء المسلمين له القدرة على هدم النظرية لأنها مبنية على آيات عقائدية صريحة، محكمة، لا منسوخة و لا قابلة لتعدد التأويل، بل هي منطوق النص و مقصوده تعترف اعترافا صريحا و واضحا بشرعية وجود اليهود و بني إسرائيل على الأرض المقدسة.


لست في حاجة لتذكير الدكتورة آن ماري بقولها في حق نظرية الاعتراف الديني أنها قنبلة أيديولوجية حقيقية، لكني أضيف شيئا آخر هو أن النظرية نفسها هي اللعنة التي ستلازم كل الستاتيكيين إلى الأبد، لأنها الوحيدة القادرة على هدم كل ادعاءات المنظومة الأرثوذكسية الستاتيكية المتطرفة. اعتراف الدكتورة آن ماري دلكمبر ليس اعترافا بقوة النظرية فقط بل اعتراف بمصداقية و علمية المنهج التاريخي الذي ساهم في ظهورها. أما بالنسبة للمنهج الستاتيكي فلا تعدو أن تكون قراءاته للنص القرآني مجرد قراءات أدبية مليئة بالمتناقضات تلبس لباس العلم معظم نتائجه سطحية مبنية على أحكام قيمة مسبقة..

ففي الوقت الذي يعلو فيه صوت التطرف الدموي المنسوب للإسلام رغما عنه، تعلو في الجهة المقابلة أصوات التنديد و الاستنكار للعنف أيا كانت مصادره، لكن هناك من يستغل هذا الجو لتمرير أفكار و رؤى مسمومة مبنية على الحقد و أحكام القيمة و أحيانا على قلب المفاهيم و التدليس و التحريف كما فعلت الستاتيكية الفرنسية الدكتورة آن ماري دلكمبر من أجل هدم أي قاعدة مشتركة للحوار بين المسلمين و اليهود بدعوى حمايتهم من مخاطر القرآن الذي يحرض على العنف ضدهم، بل هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير مثل الستاتيكي الأمريكي من أصل سوري الدكتور بسام درويش الذي قال لي في رسالة سابقة بيننا أن مشكلته مع الإسلام تكمن في تعاليمه السيئة التي تمس جميع البشر بما في ذلك المسلمين أنفسهم مضيفا قولا لا يخلو من ضحالة فكرية [ لكل دين من الأديان نصيب من مشاكل العالم هذا أمر لا شك فيه، لكن الإسلام في كفة و أديان العالم كلها في كفة، لذلك، لا يهمني أمر الأديان الأخرى لأنها لا تمسني وإن مستني فلن أجد أية صعوبة في الدفاع عن نفسي أمامها دون خوف أو مجازفة بحياتي. أما الإسلام فأراه خطراً ليس علي فقط إنما على أتباعه وفي مقالاتي الكثير مما يعبر عن رأيي. لذلك أعتذر لعدم تمكني بالاستفاضة وقراءة مقالاتي الأخرى لا بدّ وأن تفي الموضوع حقه]. كما راهن هذا المتطرف بحياته التي يعتقد أنها لم يبق منها الكثير أن الإسلام لن يعيش أكثر من خمسين سنة و هي نبوءات غريبة تظهر ضحالة المنهج الستاتيكي الذي تتبناه المنظومة الأرثوذكسية الستاتيكية المتطرفة الذي جعل من منتسبيه روادا في الضحالة الفكرية.

إن الرد على ترهات هذه الزمرة المتطرفة التي تستغل مؤسسات العالم الحر لترويج أفكارهم المسمومة لن يكون بلسان مسلم يدافع عن قرآنه هذه المرة كي لا نتهم بمحاولة تزيين صورة الإسلام، بل يهود من العيار الثقيل متمرسون و متخصصون في الإسلام و اليهودية على حد سواء، و من بينهم صوت جريء من عمق إسرائيل و هو الحاخام اليهودي الدكتور دافيد بن طاطا الذي أبدى توافقا تاما مع ما ادعاه مؤسس نظرية الاعتراف الديني و كلامه دليل قوي على وحدة العقائد و التشريعات و القيم المشتركة بين اليهودية و الإسلام. هذا لا يعدوا أن يكون إلا صوتا من مجموعة أصوات جريئة أخرى قادرة على لجم أفواه المتطفلين على دراسة الأديان كالستاتيكيين الدكتورة آن ماري دلكمبر و الدكتور بسام درويش الذين عملوا على بث الفرقة بين أبناء العمومة اليهود و المسلمين بكتاباتهم الحاقدة. الصوت الثاني هذه المرة يهودي متمرس من عمق الولايات المتحدة الأمريكية من اللجنة اليهودية الأمريكية الذي نشر كتابا قيما بعنوان -ذرية إبراهيم-، كتاب جدير بالاهتمام من المسلمين و اليهود لكشف مدى الترابط و نقاط التوافق التي تفوق بكثير نقاط الاختلاف، هذا الصوت هو الحاخام اليهودي البروفيسور الدكتور روبن فايرستون الذي تطرق بتفصيل ممل في كتابه مظهرا التشابه المدهش في العقائد و التشريعات و كذا الأخلاق المشتركة بين التوراة و القرآن قائلا:[ نتمنى بكل جدية أن نقدم هذا الكتاب خدمة جليلة لليهود والمسلمين، بتذكيرنا إياهم بأهمية إنعاش وتوحيد الحقائق التي تحتوي على بذور التطور المستقبلي.
وفي المقام الأول فهو يبين لنا التشابه الديني والأخلاقي المدهش بين الإسلام واليهودية، وبالفعل فلا توجد ديانتان أقرب من بعضهما مثل الإسلام واليهودية. فمن بين الديانات التوحيدية الثلاث تعتبر اليهودية والإسلام، أكثر قرابة. فكلتاهما تنحدر بالفعل من إبراهيم، أبينا الطبيعي والروحي المشترك. إن العلم بهذا الارتباط مجهول في معظمه بين اليهود والمسلمين وقد وقع ضحية العداوة في العصور الحديثة] انتهى كلام الحاخام الدكتور روبن فايرستون.

إذن على ضوء هذا التقارب العقدي بين اليهودية و الإسلام الذي أكده الحاخام البروفيسور الدكتور روبن فايرستون في كتابه- ذرية إبراهيم- و ارتكازا على نظرية الاعتراف الديني المبنية آيات عقائدية من القرآن سأسعى للفصل نهائيا في موضوع يشوبه نوع من اللبس ردا على مقال الدكتور دانييل بايبس الذي عنونه ب –الصهيونية الإسلامية- الذي يطرح فيه أسلئة و أجوبة و رؤى تحتاج إلى توضيح أكثر لفصل المزج الحاصل بين صهيونيتين متناقضتين. مقالي القادم سيكون بعنوان- الصهيونية الإسلامية وجهان متناقضان- و يندرج في سلسلة المقالات المزمع نشرها و كذا استمرارا في تفنيد ادعاءات المنظومة الأرثوذكسية الستاتيكية المتطرفة بشقيها الإسلامي و الدلكمبري إن صح التعبير.


تمهيد لكتاب - ذرية إبراهيم-


لماذا ننشر هذا الكتاب: مقدمة عن الديانة اليهودية للمسلمين لروبن فايرستون، ولماذا الآن؟ إن ظهور هذا العمل يلقي الضوء على فترة مهمة في العلاقة التي امتدت حوالي 1500 سنة بين الإسلام واليهودية. كانت هذه الفترة محفوفة بالمخاطر ومشحونة بالفرص. ونحن في اللجنة اليهودية الأمريكية ميالون تماما نحو هذا الواجب بسبب عاصفة التحضر التي تلوح في الأفق الآن، وبسبب الأهمية الهائلة لما نراهن عليها في حوار الأديان. وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001, ساد الحديث بأن "الحرب ضد الإرهاب" هي "حرب ضد الاسلام", لكننا لم نقبل بهذا التفسير ولا يمكن أن نقف ولن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا التحدي الكبير. فعلينا واجب تعزيز التفاهم المتبادل وتقليص الجهل والشكوك المتبادلة في عالم يتسم بالإنكماش والتقوقع وتختفي فيه الحدود بين المحلي والعالمي.

نتمنى بكل جدية أن نقدم هذا الكتاب خدمة جليلة لليهود والمسلمين، بتذكيرنا إياهم بأهمية إنعاش وتوحيد الحقائق التي تحتوي على بذور التطور المستقبلي.

وفي المقام الأول فهو يبين لنا التشابه الديني والأخلاقي المدهش بين الإسلام واليهودية، وبالفعل فلا توجد ديانتان أقرب من بعضهما مثل الإسلام واليهودية. فمن بين الديانات التوحيدية الثلاث تعتبر اليهودية والإسلام، أكثر قرابة. فكلتاهما تنحدر بالفعل من إبراهيم، أبينا الطبيعي والروحي المشترك. إن العلم بهذا الارتباط مجهول في معظمه بين اليهود والمسلمين وقد وقع ضحية العداوة في العصور الحديثة.

يذكرنا الكتاب أيضا بالعلاقات التاريخية الطويلة والغنية والمفيدة في كثير من الأحيان بين اليهود والمسلمين في كثير من البلدان كما يذكر بالعطايا الهائلة للإنسانية التي أثمرها تفاعل المسلمين واليهود في تقدم المعرفة والثقافة. وحقا فإن التاريخ بينهما معقد كما يبين الكتاب وأنه لم يصل الى مستوي الجنة الأرضية التي تخيل بعضنا وجودها في العصر الذهبي لا سيما في العصرالأندلسي ، وحتى في الفترات التي تعد أقل مجداً وتنويراً فيما بين الديانتين، فهي على الأغلب أقل خطرا بكثير مما جرى في التاريخ اليهودي المسيحي.


يشكل هذا العمل نقطة تحول في أكثر من وجه:
يقدم عمل البروفيسور فايرستون لقاءً مميزاً مع الديانة اليهودية وهو موجه بخاصة للمسلمين. والمؤلف باحث في الإسلام وحاخام له شأن في الديانة اليهودية ويأخذ في عين الاعتبار المنطلق وأحاسيسه من الفكر الإسلامي؛ وهكذا فإن عمله يؤسس علاقة حميمة منقطعة النظير بين الوعي اليهودي والإسلامي وبين وجهات النظر العالمية. وبالفعل فإنه يمثل أول عمل من نوعه يعطي معلومات شاملة عن الديانة اليهودية مع تركيز خاص على القضايا ذات الاهتمام الخاص لدى المسلمين. ويستكشف بحساسية وصراحة موضوعات صعبة مثل مفترق الطرق بين إبراهيم وولديه إسحاق وإسماعيل، ودور القبائل اليهودية في المدينة المنورة في معارضتها النبي محمد، كما ويسلط الضوء على الحركة الصهيونية، وظهور دولة إسرائيل.

إن مشروع اللجنة اليهودية الأمريكية الأساسي في العلاقات الإسلامية اليهودية ـ في الكتاب الحالي وما سيتبعه من أعمال، بما في ذلك كتاب عن الديانتين موجه لطلاب الثانوية، وكذلك ترجمة كل الكتب إلى اللغة العربية ـ ما كان ليتمّ لولا العمل الرائد الذي بذله معهد هارييت وروبرت هايلبرن لتفاهم الأديان العالمي للجنة اليهودية الأمريكية الذي تأسس دعماً منهما للتفاهم بين الأديان وخصوصاً في تحسين العلاقات الإسلامية اليهودية. فقد كان التزامهما حجر الزاوية الضروري لجدول الأعمال داخل اللجنة اليهودية الأمريكية.

قال المرحوم أسقف نيويورك المحبوب أوكونور مرة : " لم تقم أي منظمة أعرفها في هذه المدينة على أهميتها وفي هذا العالم بأكثر مما قامت به اللجنة اليهودية الأمريكية في تحسين العلاقات اليهودية المسيحية."

دعونا نأمل، من هذه المبادرات ذات المدى البعيد والتي أصبحت ممكنة بفضل هارييت وروبرت هايلبرن بأن هذا الكلام نفسه سيقال يوما ما من قبل زعماء الدين عن رغبتنا في بناء عهد يتسم بتعزيز التفاهم وتقوية الارتباط بين المسلمين واليهود حول العالم.

دافيد أ. هاريس
المدير التنفيذي
اللجنة اليهودية الأمريكية
شباط/فبراير سنة 2005

ذرية إبراهيم- الكتاب بكامله PDF
الرابط في أسفل الصفحة لتحميل الكتاب
http://www.altawasul.net/mfaar/this%20is%20israel/jewish%20religion/children%20of%20abraham/


هشام بوكرين
مهتم بنظرية الاعتراف الديني
مؤسس الصهيونية الإسلامية الأصولية

samedi 28 avril 2007

نظرية الإعتراف الديني هي منطوق النص و مقصوده

تتمة

في زحمة الضجيج تتعالى الأصوات و تضيع الكلمات و معها ضاعت الكثير من المعاني و المفاهيم؛ و من بين ما ضاع مفهوم "التطرف و الاعتدال"، فالبعض يعزو التطرف للدين و الآخر للفقر و آخرون تشتت آراءهم، لكني أعزوه لمنهج فقط. و كي تكون متطرفا يكفي أن تنظر للأحداث بعين واحدة بمعنى أن تجردها من سياقاتها الثقافية، الاجتماعية؛ السياسية و التاريخية و بهذا تكون قد خطوت الخطوات الأولى في التطرف لكن بعد احتراف المنهج يأتي تبرير التطرف تحت عدة مسميات من بينها الدين و الديموقراطية و الثورة الخ من الشعارات.

إذن عندما أتكلم عن المنهج فأنا أشير بوضوح للمنهج الستاتيكي الذي أنتج لنا ما يسميه الدكتور بايبس بالإسلام الراديكالي المتطرف في حين أسميه التطرف فقط لأنه إنتاج لمنهج متطرف. و مادمت أعارض هذا التطرف فإني أمتلك حق الرد على المنظومة الأرثوذوكسية المتطرفة بشقيها "الإسلامي" و الستاتيكي الدلكمبري إن صح التعبير. و من بين هؤلاء السيد بسام درويش الذي رد على رسالة سابقة بيني و بينه بأسلوب لا يخلو من تطرف و إليكم مقطعا منها.

[ـ آرائي عن القرآن نابعة من دراساتي لمدارس الفقه الإسلامية والتفاسير الأكثر قبولا كالجلالين وابن كثير والطبري. المشكلة هي في النص وليس في تفسيره. هناك بالتأكيد نصوص تحتمل التأويل ولكن هناك نصوصاً أجمع عليها المفسرون والفقهاء، وليس فيها أي غموض. ربما يمكن إعادة النظر في تفسيرها من وجهة نظر تحسب حسابا لعوامل الزمن والأحداث التي رافقت نشوء الإسلام، لكن هذه المحاولات ستبقى عديمة الجدوى. الإسلام يصعب إصلاحه بإعادة تفسيره. الحل الوحيد هو فصل الإسلام عن الحكم وعن المدارس وعن الحياة العامة وأراهنك إنه ـ خلال فترة حياتي التي ربما لم يبق منها الكثير ـ لن يعيش أكثر من خمسين سنة.]

يدعو السيد بسام درويش إلى فصل الإسلام عن الحياة العامة كحل وحيد و كأن الإسلام ليس مكونا أساسيا من مكونات ثقافة الحياة الخاصة و العامة لأمة يفوق تعدادها المليار و مائتي مليون إنسان، في الحقيقة لا أدري تحت أي مسمى يريد السيد بسام درويش إقصاء أمة بهذا الحجم علما أن لها وزنها المؤثر في الساحة الدولية. أعتقد أنه يتبنى فكرة فصل الدين عن الدولة كما تبنته اللايكية في فرنسا، لكن ما ينطبق على فرنسا قيد لا ينطبق على غيرها إذا أخّذنا في الإعتبارالخصوصيات الثقافية للشعوب علما أن السيد بسام يؤمن كما قال:[ أؤمن بإنسانية جميع البشر وبأن لكل إنسان الحق في الوجود والتعبير والعمل، ومن هنا ينطلق خلافي مع الأيديولوجية الإسلامية] و لمجرد اختلافه مع الأيديولوجية الإسلامية يريد إقصاء هذا الكم الهائل من البشر و هو ما جسدته المنظومة الأرثوذكسية الستاتيكية الإسلامية في العراق؛ اختلفوا سياسيا فسعوا لإقصاء بعضهم برفع شعارات قد خانها المعنى. و نفس السلوك جسدته الدكتورة آن ماري دلكمبر برفع دعواتها لمحو آيات من القرآن تدعوا إلى الجهاد بدعوى أنها تحرض على العنف، وها هو بسام درويش يرفع شعارا آخر قد يكون بمسمى فصل الدين عن الدولة و هو ما أعتبره خروجا عن المبادئ الأساسية التي تأسست عليها اللايكية المؤمنة بحرية البشر و المساوات و الحقوق الخاصة و العامة للأمم و الشعوب، لا يمكنني أن أنسب كلام بسام إلى اللايكية بل قد وظف شعاراتها لأهداف يعرفها هو فقط. لذا فإني أقول أن المنهج الستاتيكي لا يملك مشروعا للسلام بل مشروع لقطع الرؤوس لا إعادة التأويل فيها؛ و على ذكر التأويل أرد على بسام بالمقال التالي للسيد عبد الواحد بنعنضرا في هذا الموضوع:

من الأشياء التي حاولت المنظومة الأرثوذوكسية تكريسها كونها تستطيع الوصول إلى مقصود أو منطوق النص القرآني، بل و عملت جاهدة لاعتبار تفسيرها أو تأويلها هو الصحيح؛ و غيره مجرد هرطقة... بل و أعلن الكهنوت الفقهي على لسان القرضاوي كما مر بنا في مناسبة سابقة ما يلي:- بأن ما ندعوا إليه هو الإسلام الصحيح، و ما تزعمون هو أفكار مستوردة تلبس لبوس الإسلام[...] و هنا نصل إلى مفترق الطرق بيننا و بين دعاة العلمانية، الذين يزعمون أن من حقهم أن يفسروا الإسلام من منظورهم الخاص، و أن يقدموا فيه و يؤخروا كما يحلوا لهم[ القرضاوي الإسلام و العلمانية وجها لوجه: ص24]. هذا في حين أنه عندما نعود للكتب التراثية نلمس وعيا و إدراكا لصعوبة الوصول حقا لمنطوق النص و مقصوده. يقول السيوطي: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره ف[هو] النص. نحو " فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" [ البقرة/196] و قد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بنذور النص جدا في الكتاب و السنة. و قد بالغ إمام الحرمين [ أبو المعاني الجو يني، ت 478هجرية] و غيره في الرد عليهم، قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع، مع انحسام جهات التأويل و الاحتمال؛ وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة، فما أكثره من القرائن الحالية و المقالية انتهى [السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، الجزء الثالث، ص:95]. فقد نقل السيوطي القول بندرة النصوص، و النص هنا يعني أن المنطوق يفيد معنى لا يحتمل غيره، و بلغة أخرى، فإن الحديث عن ندرة هذا النوع معناه تفنيد ادعاء المنظومة الأرثوذوكسية الوصول إلى مقصود القرآن. ويرى نصر حامد أبو زيد أن:" القول بندرة النصوص مردود إلى طبيعة اللغة التي تعتمد على التجريد و التعميم في دلالتها، و هذا من شأنه أن يجعل إنتاج الدلالة في اللغة بشكل عام و في النصوص الممتازة بشكل خاص لا يفارق جدلية النص/القارىء.إن تحديد المعنى المرجوح من المعنى الراجح في"الظاهر" أو "المؤول" تحديد مرهون بأفق قارىء و عقله، يحتاج كذلك قارىء.فإذا انتقلنا من دلالة "المنطوق" إلى دلالة "المفهوم" كانت الدلالة غير مفارقة لفعل القراءة بما تتضمنه من تأويل. و هذا كله مفهوم للدلالة يقترب إلى حد كبير من المفهوم المعاصر الذي يرى أن فعل القراءة – و من ثم التأويل- لا يبدأ من المعطى اللغوي للنص، أي لا يبدأ من المنطوق، بل يبدأ –قبل ذلك- من الإطار الثقافي الذي يمثل أفق القارىء الذي يتوجه لقراءة النص"[نصر حامد أبو زيد] / مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، ص:182، المركز الثقافي العربي، بيروت و الدار البيضاء،ط الأولى 1990].
إن الحديث" عن أفق القارىء" معناه أيضا الحديث عن ثقافة المفسر للنص و السياق التاريخي، الثقافي، الاجتماعي و السياسي الذي أطر تفسيره أو تأويله للنص؛ أي أن هذا القارىء/ المفسر/ المؤول يسقط تصوراته [أو رغباته على النص] انطلاقا من البيئة التي عاش فيها إكراهات السياقات السابق ذكرها. إنه إذن لا يشرح النص انطلاقا مما قاله النص فعلا، بل انطلاقا مما قام به هو من تقويل لهذا النص بما يريد. و لعل مما يجدر التذكير به هو تلك العبارة الشهيرة التي تروى عن علي ابن أبي طالب، أثناء حواره مع "الخوارج" عليه أثناء واقعة التحكيم، إذ يروي الطبري أن عليا قال لهم :" هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق ، إنما يتكلم به الرجال" [تاريخ الطبري، حوادث سنة 37هجرية المجلد الثالث، ص: 110]. لكن الحديث عن ندرة النصوص لا يجب أن يدفعنا إلى الخلط بين إدراك الرواة- مثلا- لما فعلته السياسة و المذهبية و حتى الرغبات الشخصية في تأويل النصوص، و بين ما يمكن أن يكون حدث فعلا في العهد النبوي. إذا انطلقنا من فرضية سيادة الثقافة الشفهية لهذا العهد، فإن علينا أن نسلم أن المعاني-في الثقافة الشفهية- تكون أكثر ضبطا مما هي عليه في الثقافة المكتوبة؛ بحيث تحيل الألفاظ المنطوقة بدرجة أكبر على المعاني المتداولة و المتعارف عليها، بل أكثر من هذا فإن ألفاظ اللهجة الشفهية ليس لمستعمليها معرفة بالتاريخ الدلالي لأي منها[ والتر اونج: الشفاهية و الكتابية، ترجمة حسن البنا عز الدين، ص 55 عالم المعرفة، الكويت 1994]. بخلاف الثقافة الكتابية التي تمتلك التاريخ الدلالي الذي يساهم في تعدد الاختيارات الدلالية بل و تشتتها أحيانا.و أفترض بالمقابل أن النبي قد تدخل أحيانا لتفسير بعض العبارات عندما يقتضي الأمر ذلك؛ أي في حالة المجاز مثلا، أو بصفة عامة عندما يقع لبس ما، و هو ما أرجح أنه كان قليلا مقارنة بوضوح هذا النص الشفهي أي القرآن. و إذن فقد عملت السياسة و المذهبية من جهة على طمس معاني القرآن المتداولة؛ و منذ وقت مبكر، و من جهة أخرى فقد عملت بتغييب و إخفاء تفسير النبي للقرآن. و هو ما كنت قد طرحته متسائلا أين: أين غاب تفسير النبي للقرآن؟ إن الخروج من فخ الأدلجة و التسييس في التعامل النص رهين إذن بتجاوز ما تقوم به المنظومة الأرثوذكسية كل مرة، و بشكل تقليدي، من البحث عن تأويل معين للنص و الإدعاء بأن هذا المعنى هو منطوق و مقصود النص القرآني، و بالمقابل العمل على وضع النص في سياقاته: الثقافية اللغوية، الإجنماعية و التاريخية، وذلك بالإستعانة بكل منجزات العلوم الإنسانية و تطبيقها على النص القرآني.
انتهى كلام السيد عبد الواحد بن عنضرا

إذن فالخروج من فخ الأدلجة و التسييس و أحكام القيمة إضافة إلى المنهج التاريخي هو الذي ساهم في ظهور نظرية الإعتراف الديني المبنية على نص صريح غير قابل لتعدد التأويل يؤسس لموقف إيجابي من وجود اليهود و بني إسرائيل على الارض المقدسة عكس ما تتبناه المنظومة الأورثوذكسية الستاتيكية الإسلامية بشقيها الراديكالي المتطرف و كذلك المسمى "معتدلا". و هذا يدفعنا لطرح السؤال على أي أساس بنى الإسلاميون موقفهم المتشدد من إسرائيل في حين أنه من المفترض أن يكونوا أكثر انسجاما مع النص القرآني؟

إن الستاتيكيون يفكرون بشكل مستقيم في حين نقكر بشكل دائري؛ بمعنى أننا نعيد الاشياء من حيث بدأت في سياقاتها الثقافية، الإجتماعية، السياسية و التاريخية كي نتمكن من فك رموز ما يعتبره البعض مغلقا غير قابل للتغير. ما قامت به نظرية الإعتراف الديني هو تفجير القاعدة التي أسست عليها ترسانة العقائد من الداخل فجعلت من الثابت متحركا و أحلت محله نصا صريحا فند إدعاءات المنظومة الأورثوذكسية الإسلامية.

و استمرارا في تفنيد إدعاءات المنظومة الأورثوذكسية الستاتيكية المتطرفة سيكون مقالي القادم بعنوان:" نظرية الإعتراف الديني و المنهج الستاتيكي" الدلكمبري" المتطرف وجها لوجه" و هو رد على إدعاءات الأكاديمية الفرنسية الدكتورة آن ماري دلكمبر في لقاء أجرته مع راديو روكيك الكيبيكي منتقدة نظرية الإعتراف الديني.

هشام بوكرين
مهتم بنظرية الإعتراف الديني
مؤسس الصهيونية الإسلامية الأصولية

إليكم الرابط في الأسفل للإستماع

http://www.libertyvox.com/files/RocKIK_AnneMarieDelcambre_060428.mp3

mardi 17 avril 2007

الإسلام الراديكالي المتطرف ضد الحضارة

الإسلام الراديكالي المتطرف ضد الحضارة؛ هذا هو عنوان محاضرة الدكتور دانييل بايبس كبير الباحثين بمعهد دراسات الشرق الأوسط التابع للبيت الأبيض التي ألقاها بلندن تحت إشراف عمدة لندن السيد كين لفنجستون و التي حضرها جمهور ضم المسلمين و المسيحيين و اليهود على حد سواء، و من خلال ما جاء في كلام الدكتور دانييل بايبس أود أن أسلط الضوء على مجموعة من القضايا الهامة التي تشغل بال الرأي العام العالمي بل وضع النقاط على الحروف للفصل نهائيا في قضايا هامة كقضية الشرق الأوسط التي أعتبرها القضية المحورية التي تمخضت عنها سلسلة قضايا تؤرق كاهل السياسيين و المفكرين على حد سواء.
ما سأتحدث عنه ليس رأيي الخاص بل منظور مؤسس على القرآن يضع حدا نهائيا لما يجري على الساحة السياسية و لأول مرة في تاريخ المنطقة بل اعتبره قنبلة أيديولوجية حقيقية قلبت كل الموازين.
إليكم الآن كلمة الدكتور دانييل بايبس و بعد ذلك سأعقب بالتفصيل على ما جاء.

بقلم دانيال بايبسFrontPageMagazine.com1 فبراير 2007
http://ar.danielpipes.org/article/4295
المصنف الإنجليزي الأصلي:
Radical Islam vs. Civilizationترجمة: ع. ز.
فيما يلي نَص كلمة دانيال بايبس في 20 يناير/كانون الثاني 2007، في لندن وذلك في حوار مَع عمدة لندن، كين لفنجستون، وفقاً للنسخ الذي قامت به ناين تين جروب ( جماعة 910) وبمساعدة لمشاهدة
Global Defense Group ؛ راجع موقع YouTube آخرين. يمكن رؤية الفيديو الأصلي في
نسخة الفيديو كليب. للإطلاع على التغطية الإعلامية للنقاش، ارجع إلى الببلوجرافيا الواردة في
Debate with London Mayor Ken Livingstone.
………………………………………………………………………………………
شكراً جزيلاً. أنا أوَدُّ أَنْ أَبْدأَ بشُكْر العمدة لفنجستون لدعوته الكريمةِ لي كي أنضم لكم اليوم وأنا أَشْكرُ سلطات مدينة لندن الكبرى على العمل الشاقِّ الذي بذلته في حدث يبدو واضحاً أنه حدث ناجح. أَنا مسرورُ بالاهتمام الذي تبدونه، أيها الحضور، وأَنا ممتنُ إلى مؤديي الذين جاؤوا مِنْ أربعة بلدانِ مختلفةِ كي يكونوا مَعي اليوم.
إنّ العمدة رجلُ متفائلُ. وأنا أُدْعَو عموماً لجَلْب بَعْضاً من الغمِّ والهم، وأنا، كي أكون صادقاً، سوف أجلب لك البعض منه. [يضحك الجمهور]
دعْني أَبْدأُ بموقفي من سؤالِ أو مسألة الحضارةِ العالمية أَو صراع وصدام الحضاراتِ. واحد: أنا مع الحضارةِ العالميةِ، وأنا أَرْفضُ مقولة أو أطروحة 'اشتباك أو صدام الحضارات'. اثنان: المشكلة لَيستْ في المقام الأول صراع حضارات، وإنما هي صراع واشتباك الحضارةِ والهمجيةِ.
أنا أوَدُّ أَنْ أَبْدأَ بالنَظْر إلى فكرةِ صاموئيل هنتينجتن، حيث جادلَ، في مقالته عام 1993، بأنّ الاختلافات الثقافيةِ هي اختلافات أساسية. "المصدر الأساسي للنزاعِ … لَنْ يَكُونَ بالأساس أيديولوجياً أو اقتصاديا. الانقسامات العظيمة بين البشرِ والمصدر الأساسي للنزاعِ سوف يكون ثقافياً." وهو يرى أن هناك سبعة أو ثمانية منظومات حضارية، وهي بالتحديد، "الغربية، والكونفوشوسية، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، والسلافية -الأرثوذوكسية، والأمريكية اللاتينية، والأفريقية."
رَدّي بأنّ مفهوم الحضارةِ مفيد كمفهوم ثقافي ولكن ليس كمفهوم سياسي. هناك ثلاث مشاكلِ في رُؤية الحضاراتِ كقوى فعالة بالطريقة التي يقترحها هنتينجتن. فهي لا تستطيعُ تَفسير التَوَتّراتِ داخل الحضارة الواحدة، وهي لا تستطيعُ تَفسير الاتفاق والانسجام عبر أو بين الحضاراتِ، وهي لا تفسّرُ تغيرَ الحضارات مع مرور الوقت. دعْوني أَعطيكم ثلاثة أمثلةِ سريعةِ. وسوف آخذُها مِنْ المنطقةِ التي تخصصت في دراستها، وهي العالم الإسلامي.
أولاً، هي لا تستطيعُ تَفسير عنف المسلم ضد المسلم، وهو الذي لدينا منه الكثير: لدينا الحرب الأهليةُ في لبنان، والحرب العراقية الإيرانية، والتمرّد الإسلامي في الجزائر، اقتتال السُنّة والشيعة في العراق في الوقت الحاضر، ما يقترب من حرب أهليةِ في السّلطة الوطنية الفلسطينيّةِ، حرب الحكومة السودانية ضدّ شعبِ دارفور. هذا كله لا يُمْكن تفسيره بالمفاهيم والمصطلحات الحضارية.
ثانياً، تتجاهل هذه الرؤية الاتفاق والانسجام بين الحضارات. وأود أن استشهد بمثل من المملكة المتحدة، وبالتحديد مرسوم أو حكم آية الله خميني في 1989 ضد سلمان رشدي، الذي كَانَ حينئذ يَعِيشُ في لندن. بدا، من النظرة الأولى، أن المشكلة هي بين المسلمين من جهة والغربيين من جهة أخرى. المسلمون كَانوا يُحرقونَ روايةَ الآيات الشيطانيةَ، وكان هناك عنفُ في الهند، الخ. لكن النظرة الفاحصة كشفت أن الأمر كان مختلفاً تماماً، وأنه أكثر تعقيداً وتركيباً. فالكثير مِنْ الغربيين كَانوا ضدّ رشدي والكثير مِنْ المسلمين كانوا يؤيدونه ووقفوا إلى جانبه.
دعْني أَعطيك فقط واقعتين استشهد بهما. قال وزير خارجية بريطانيا في ذَلِك الوَقت، السّير جيفري هاو: " لا تحمل الحكومة البريطانية ولا يحمل الشعب البريطاني أيّ مودّة أو تعاطف نحو كتابِ رشدي." من الناحية الأخرى، قال وزير الخارجية المصري "ليس من حق خميني إصْدار حكم بالموت على رشدي." ووزير مصري آخر قالَ "خميني مجرد كلب، لا، ذلك أمر جيدُ جداً بالنسبة لَهُ، هو خنزير." [يضحك الجمهورِ]
النقطة الثالثة، هنتينجتن في تحليلِه لا يَستطيعُ تَفسير التغييرِ الذي يحدث مع مرور الوقت. وأستطيع أن أوضح هذا أفضل توضيح بأن أعرض عليكم اقتباساً من مقالته عام 1991، حيث قال " القضايا الاقتصادية بين الولايات المتّحدةِ وأوروبا لا تقل في جديتها عن تلك التي بين الولايات المتّحدةِ واليابان، لكن ليس لها نفس البروز السياسي أو الشدة الانفعالية لأن الاختلافات بين الثقافةِ الأمريكيةِ والثقافةِ الأوروبيةِ هي أقل بكثير من تلك التي بين الحضارةِ الأمريكيةِ والحضارةِ اليابانية."
حَسناً ذلك كَانَ حقيقيَاً بدرجة كبيرة في 1993، لَكنَّه يَبْدو سخيفَاً جداً في 2007 حيث لا توجد فعلياً أيَّ تَوَتّرات بين الولايات المتّحدةِ واليابان وأَنا متأكّدٌ أنكم تدركون وجود تَوَتّرات بين الولايات المتّحدةِ وأوروبا. إن الذم والتوبيخ عبر المحيط الأطلسي هما أشد حدة منهما عبر المحيط الهادي.
ما الذي فعله هنتينجتن هو أنه كَانَ يَأْخذَ حادثةَ عابرة ويُحوّلُها إلى أمر حضاريِ، وهو الأمر الذي لم يُفلح. باختصار فكرة ومقولة اشتباك الحضارات ِهي فكرة خاطئة. فهي لا تتفق والحقائقَ، هي لَيسَت طريقة جيدة لفَهْم العالمِ.
ماذا عن الحضارة العالمية؟ هَلّ بالإمكان أَنْ تكون هناك حضارة عالمية؟ إذا عرَّفنا الحضارة مثلما يُعرّفُها هنتينجتن، لكانت الإجابة بلا، لا يمكن أن تكون هناك حضارة عالمية. وهو يعرض فكرته بطريقة صائبة، في ضوء تعريفه بالطبع، عندما يقول "في المستقبل لَنْ تكون هناك حضارة عالمية وإنما عالم من الحضاراتِ المختلفةِ، كلّ منها يَجِبُ أَنْ تتعلّمَ التَعَايُش مَع الحضارات الأخرى." أنا لا أعتقد أن هناك من يُعارضُ ذلك أو يجادل فيه طالما نحن نفكر في ضوء تعريفه.
لكن يُمْكِنُ أَنْ تكون هناك حضارة عالمية إذا عرفناها بشكل مختلف. الحضارة هي من زاوية ما نقيض الهمجيةِ. والحضارة بهذا المعنى لَها تاريخ طويل. في التوراةِ، هناك مقطع يقول "وأنت سَوف ... تُعلنُ الحريَّة في كافة أنحاء الأرض وحرية لكُلّ من يسكن فيها." في القرآنِ، "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله." والتعبير أو الشعار الأمريكي الشائع 'السعي وراء السعادةِ'، والتعبير أو الشعار الفرنسي الشائع "الحرية، المساواة، الإخاء." قال ونستن تَشِرشِل في 1898، في معرض حديثه عن السودان، بأنّ الحضارةِ "متعاطفة، رحيمة، متسامحة، على استعداد للمُنَاقَشَة َوالحوار، تسعى إلى تَفادي العنفِ، وإلى الإذْعان للقانونِ، وإلى العمل بالحلول الوسط."
لذا يكون السؤال، هل يمكن أن توجد مثل هذه الحالة الحضارية على مستوى عالمي؟
يُمْكِنُ أَنْ توجد، بقدر ما يواجه أولئك المُتَحضّرون غيرَ المتحضرين. إن أساس وجود الحضارة العالمية هو اتحاد العناصرِ المُتَحضّرةِ في كُلّ ثقافة من الثقافات مع نظائرها في الثقافات الأخرى من أجل حِماية الأخلاقِ، والحريَّة، والاحترام المتبادل. إنّ الاشتباك أو الصراع أو الصدام الحقيقيَ هو بين الحضارة العالمية والهمجيين.
الآن ماذا أَقصد بالهمجيين؟ لا أَعْني الناسَ الذين ينتمون إلى الطبقات الاقتصادية الدنيا، الذي أَعْنيه بالهمجيين - وأعتقد أنه هو ما نعنيه جميعاً بالهمجيين خلال القرنين الماضيين – الهمجيين الأيديولوجيينَ أو العقائديين. ولقد ظهرت الهمجية الأيديولوجية في الثورةِ الفرنسيةِ في أواخر القرن الثامن عشرِ. والأمثلة الضخمة للهمجيةِ الأيديولوجيةِ هي الفاشيةَ واللينينيةَ الماركسيةَ - اللتان في مسارهما التاريخيين، قامتا بقتل العشراتَ مِنْ ملايينِ الناسِ.
لكننا اليوم نرى الثالثة، الحركة الشمولية الاستبدادية الثالثة، الحركة الهمجية الثالثة، وبالتحديد الإسلامِ الراديكالي المتطرف، هو نسخةُ أو صورة طوباويةُ متطرّفةُ مِنْ الإسلامِ. لا أَتكلّمُ عن الإسلامِ الدين، أَتكلّمُ عن قراءة غير عادية وحديثة جداً للإسلامِ، أوقعَت بؤساً (سبق وذَكرتُ الجزائر ودارفور)، وعمليات إرهابية انتحارية، وحكومات استبدادية طاغية ووحشية، وهناك قمع وظلم للنِساءِ ولغير المسلمين.
إنه يُهدّدُ العالم بأكمله: المغرب، تركيا، السّلطة الوطنية الفلسطينيّة، مصر، العربية السعودية، العراق، إيران، باكستان، تكادوا تقولونها، أفغانستان، تونس، وليس فقط العالم الإسلامي التقليدي، لكن أيضاً روسيا، فرنسا، السويد، وأنا أجرؤ وأقول والمملكة المتّحدة أيضاً.
إن السؤالَ العظيمَ في عصرنا هذا هو كيف نمْنعُ هذه الحركةِ، الشبيهة بالفاشيةِ والشيوعيةِ، مِنْ أن تصبح أكثر قوة.
الآن، أَعتقدُ أن العمدة وأنا نتفق على الحاجةِ لمُقَاوَمَة هذا الخطرِ، لَكنَّنا نَختلفُ على وسائلِ القيام بذلك. هو يرى أن تعددية الثقافات هي الوسيلة، وأنا أرى أن الفوز بالحربِ هو السبيل لذلك. هو يود أن ينسجم ويتوافق الجميع، وأنا أُريدُ هَزيمة عدو فظيع.
يُعرّفُ العمدة تعدديةَ الثقافات على أنها "الحق في إتباع قِيَمِ ثقافيةِ مختلفةِ، وهو حق لا يخضعُ إلا لقيد واحد وهو ألا يتدخل حقك في الحق المماثل الذي يتمتع به الآخرون." وهو يُجادلُ، وهو ما استمعتم له تواً، ويذهب إلى القول بأن هذا التعريف ناجح وفعال، وأن لندن مدينة ناجحة. أنا لَنْ أُعارضَه في التفصيلات، لَكنِّي أَرى الاندفاع المتعدّد الثقافاتَ يَخْلقُ كارثة لإهْماله الحضور الخطير والمُتزايد للإسلامِ الراديكالي المتطرف في لندن.
أحد علامات هذا الخطر أنّ المواطنين في بلادِكَ قد أَصْبَحوا يمثلون تهديداً لبقيّة العالمِ. في 2003، قدم وزير الداخلية ديفيد بلنكت ملفاً إلى اللجنة الخاصة بطلبات الهجرة، وفيه "يَعترفُ بأنّ بريطانيا كَانتْ ملجأ آمناً لمن يساندون الإرهابِ العالميِ" وفيه أيضاً يقول أن بريطانيا لا تزال "قاعدة هامّة" لمساندة ودعم الإرهابِ.
في الحقيقة، نفّذَ إرهابيون يتخذون من بريطانيا قاعدة لهم عمليات إرهابية في خمسة عشرَ بلدِ على الأقل، هي: باكستان، أفغانستان، كينيا، تنزانيا، العربية السعودية، اليمن، العراق، الأردن، إسرائيل، الجزائر، المغرب، روسيا، فرنسا، إسبانيا، والولايات المتّحدة. أنا سَأَعطيكم مثالاً واحداً مِنْ الولايات المتّحدةِ: هو ريتشارد رَيد، مفجّر قنبلة الحذاءَ، وهو الذي أُفكّرُ فيه أساساً، لكن هناك أيضاً [نهاية الكليب #3؛ وبداية الكليب #4] التورط البريطاني في الحادي عشر من سبتمبر وفي مؤامرةِ الألفيةَ بلوس أنجلس التي لم يتم تنفيذها.
شَجبَ رئيس مصر حسني مبارك المملكة المتحدة علناً، وهو ممتلئ بمشاعر الإحباط، وذلك لأنها تقوم "بحِماية القتلة." بعد إحباط المخطط الإرهابي الضخم الذي كان من المزمع تنفيذه في شركةِ طيران هيثرو في العاشر من أغسطس/آبَ، أي قبل شهور قَليلة، ذهب كاتبان أمريكيان في زا نيو ريبابلك إلى أنه مِنْ وجهةِ نظر أمريكيةِ، "يُمْكِنُ القول الآن أن التهديدَ الأكبرَ لأمن الولايات المتحدة لا يأتي من إيران أَو العراق أَو أفغانستان، لكنه بالأحرى مِنْ بريطانيا العظمى."
وأنا أَعتقدُ أن هذا هو مجرد رأس الكتلة الجليديةُ، وأَعتقدُ أنّ هذا إنما يَدْحضُ وجهةَ نظر السّيدِ لفنجستون المعارضة- والتي تقول أنه لا توجد مشكلة. وهذه هي المشكلةُ، المشكلة هي الإسلامُ الراديكالي، والمَعروف كذلك بِالإسلامِ الأصوليِ، والإسلام السياسي، والإسلامية المتطرفة. مرة أخرى إنه ليس الإسلام الدين، إنما هو الإسلامُ الراديكالي، الايديولجيا.
ودعنا نُركّزُ على ثلاث سماتِ له. إنّ جوهرَ الإسلامِ الراديكالي المتطرف هو التمسّكُ الكاملُ بالشريعةِ، بقانونِ الإسلامِ، وهو يدفع بالشريعةَ إلى المناطقِ ومجالات الحياة التي مَا وَجدتْ فيها من قبل.
السمة الثانية، أنه يقوم في أعماقه البعيدة على عقيدة صراع الحضاراتِ. هو يُقسّمُ العالم إلى معسكرين أخلاقي ولا-أخلاقي، الخير والشر. فيما يلي اقتباسُ لواحد مِنْ الإسلاميين المتطرفين الذين يتخذون من بريطانيا قاعدة لهم، اسمه عبد الله الفيصل، وهو قد أُدينَ من قبل والآن هو في السجنِ: يقول "هناك دينان في العالمِ اليوم - الدين الصحيح والدين الخاطئ. الإسلام مقابل أو في مواجهة بقيّة العالمِ." لن تجد توجهاً أو طريقة تفكير تدعو إلى النزاع والصدام والخلاف الحضاري بصورة أقوى من ذلك. هناك كراهية للعالم الخارجي، العالمِ غير المسلمِ، والغرب بشكل خاص. وهناك النية لرَفْض التأثير الخارجي بأكبر قَدْرَ مستطاع.
والخاصية الثالثةَ أنه استبدادي وشمولي في طبيعته، يحول الإسلام من إيمان شخصي إلى إيديولوجيا، إلى مذهبية، إنه يُبدل الإيمان الشخصي بنظام لترتيب القوَّةِ والثروةِ. ينشأ الإسلامُ المتطرف الراديكالي عنْ الإسلامِ لكنه نسخة أو صورة منه معادية للحداثة، مؤمنة بالرؤى والأساطير والتنبؤات الألفية، كارهة للبشر وللإنساني، كارهة للمرأة، ومعادية للمسيحية، ومعادية للساميَّة، تتعالى على الأديان والحضارات الأخرى وترى نفسها أفضل وأصح منها ويجب أن تسود عليها، مؤمنة بالجهاد والحرب الدينية، إرهابية وانتحارية. إنه شمولية استبدادية ذات نكهة وطبيعة إسلامية.
مثل الفاشيةِ والشيوعيةِ، الإسلام الراديكالي هو رؤية للعالم تتصف بالإرغام والقهر بطريقة يُمكن أن تلغي عقلية شخص ذكي – فتقهره أو تقهرها على رؤية الحياة بطريقة جديدة تماما. هو طوباوية متطرفة، يَأْخذُ الخصائص الدنيويةَ للحياة العاديةِ اليومية ويُحوّلُها إلى شيءِ ضخم ومُتَألِّقِ يُبهر العيون.
ويسعى الإسلام الراديكالي للسَيْطَرَة على الدول والبلدان، وهو يستعمل الدولة لأغراضِ قهرية، ويحاول السَيْطَرَة على كُلّ جوانب الحياةِ. وهو يعتدي على الجيرانِ، وأخيراً هو يسعى نحو مواجهة كونية مع الغربِ. وكما قال توني بلير في أغسطس/آبِ 2006 "نحن نخوض حرباً، لكن ليس فقط ضدّ الإرهابِ، لكن حول الكَيفية التي يَجِبُ على العالم أَنْ يَحْكمَ بها نفسه في بداية القرنِ الحادي والعشرينِ، وحول القِيَمِ العالميةِ."
والآن كَيفَ يستجيب المرء لهذا؟
إنّ العمدة رجل يساري، وأَنا ليبرالي كلاسيكي. ونحن نتفق في أن أي منا لا يرغب شخصياً في أن يكون خاضعاً إلى الشريعةِ. أنا سَأَفترضُ، [ ينظر إلى كين لفنجستون] سوف تصحح لي إن كنت على خطأ [تصفيق متقطع قصير] أن لا أحد منا، نحن الاثنان، يود أن تكون الشريعة جزءاً من حياتِه الشخصيةِ.
لكن وجهاتَ نظرنا تَتباعدُ بحدّة بالنسبة إلى الكيفية التي نستجيب بها لهذه الظاهرةِ. أولئك الذين يتبنون وجهة نظري السياسية يشعرون بالقلق من جراء التقدم الذي تحققه الإسلامية المتطرفة في الغربِ. مُعظم اليسارِيين يَقتربُون مِنْ الموضوعِ ويتناولونه بطريقة تتصف بالاسترخاء والتقليل من أهميته..
لماذا هذا الاختلاف؟ لماذا اليمين عموماً في حالة من القلق، بينما اليسار عموما في حالة من التفاؤل والثقة؟ هناك العديد مِنْ الاختلافات، وهناك العديد مِنْ الأسبابِ، لَكنِّي أوَدُّ أَنْ أُركّزَ على اثنين.
الأول، إحساس الإسلاميين واليسارِيين أن لهم خصوما مشتركين. وضح جورج جالواي في 2005 ذلك قائلاً: "الحركة التقدمّية العالمِية والمسلمون لَهُم نفس الأعداء" ثم واصل حديثه مشيرا إلى أن هؤلاء هم إسرائيل، والولايات المتّحدة، وبريطانيا العظمى.
وإذا استمعت إلى الكلماتِ التي تُقال، عن الولايات المتّحدةَ مثلاً، تستطيع أن ترى أن هذه هي الحقيقة. وَصفَ هارولد بنتر أمريكا قائلاً: "بلاد تديرها حفنة من المجانينِ الإجراميينِ." [تصفيق وصيحات عالية] وأسامة بن لادن [توقّفات … ] أنا سَأَفعل ما أستطيع كي أحْصل على تصفيق متصل. [ضحك]، واستعدُّوا لما يلي: وصف أسامة بن لادن الولايات المتّحدة بأنها: "ظالمة، مجرمة، واستبدادية." [تصفيق]
ووصف نعوم تشومسكي أمريكا "الدولة الإرهابية الأولى." وحافظ حسين أحمد، الزعيم السياسي الباكستاني البارز، أطلق عليها "أكبر دولة إرهابية." [تصفيق متقطع]
مثل هذه الأرضية المشتركةِ تُغري اليسارِيين على التَعَاوُن مَع الإسلاميين المتطرفين وخلق قضايا مشتركة معهم، ورمز هذا هو المظاهرات [الضخمة المعادية للحرب على العراق] في هايد بارك، في السادس عشْرِ من فبراير/شباطِ 2003، والتي دَعا لها تَحَالُف المنظماتِ الإسلاميةِ واليساريةِ.
في أوقاتِ أخرى، يشعر اليسار أنه له علاقة أو قرابة بالهجماتِ الإسلاميةِ على الغرب، فيكون متسامحاً ومتفهما لأسباب وقوع مثل هذه الهجمات. ويوضح اقتباسان يتصفان بسوء السمعة هذه النقطة. وصف المؤلف الموسيقي الألماني، كارلهينز ستوكهوزين هجمات الحادي عشر من سبتمبر بـ "القطعة الفنية الأعظم للكونِ بأكمله" بينما علق الروائي الأمريكي نورمان مايلر قائلاً "إن من قاموا بتنفيذها كَانوا في غاية الذكاء والدقة."
تَُغري مثل هذه المواقف والاتجاهات اليسارَ على ألا يأْخذَ التهديدَ الإسلاميَ للغربِ بجدية. مَع جون كيري، وهو ما كان يأمل أن يفوز بالرئاسة الأمريكية، يرفض اليسار الإرهاب ويدينونه بوصفه مجرد "مصدر إزعاج."
ذلك أحد الأسباب؛ وأقصد الصلات والروابط بين المعسكرين. السبب الثاني هو أن اليسار يميل إلى التَركيز على الإرهابِ - وليس على الإسلامية المتطرفة أو الإسلام المتطرف الراديكالي. ثم يأتي الإدعاء بأن المسئول عن الإرهاب إنما هي مشكلات مثل الاستعمار الغربي في القرن الماضي، "والإمبريالية الجديدة" الغربية في وقتنا الحاضر، والسياسات الغربية خصوصاً في العراق والسّلطة الوطنية الفلسطينيّة، أَو البطالةِ، والفقر، واليأس.
وأنا أُؤكّدُ أنّ الإسلام الراديكالي إنما يُؤدّي إلى عقيدةِ أو إيديولوجية عدوانية بالفعل. أَحترمُ دورَ الأفكارِ، وأَعتقدُ أن الذي لا يحترم الأفكار أو يزدريها أو لا يُعيرُها أي انتباه، إنما يتصرف بغرور وربما يَكُون عنصرياً. ليس هناك طريق لاسترضاء هذه العقيدةِ أو تهدئتها. إنها جادة في تحقيق أهدافها، لا يمكن حل مشاكلها بالمال، ولن يؤدي أي تغيير في السياسة الخارجيةِ إلى وضع نهاية لها.
أنا أُجادلُكم، أيها السيدات والسادة، وأقول أن الإسلام الراديكالي يجب أن يُقاتلَ ويجب أنْ يُهْزَمَ مثلما حدث في 1945 و1991 [تصفيق] عندما تمت هزيمة التهديدات الألمانية والتهديدات السوفيتية. هدفنا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ، في حالتنا هذه، ظهور الإسلامِ الذي هو إسلام حديث ومعاصر، معتدل، ديمقراطي، إنساني، ليبرالي، وودّي يؤمن بحسن الجوار. إسلام يحترمُ النِساءِ، وأصحاب الجنسية المثلية، والمُلحدين، وغيرهم. إسلام يُؤَمِن لغير المسلمينِ نفس حقوق المسلمين.
الخلاصة، السيد عمدة لندن، سواء كنت مسلماَ أَو غير مسلم، على اليسارِ أَو على اليمين، أعتقد أنك سَتَتّفقُ معي على أهميةِ العمل سوية كي نرى مثل هذه الإسلامِ. وأَقترحُ بِأَنَّه يمكن تحقيق هذا لا عن طريق تعايش تعدديةِ الثقافات التي تَقترحُ، ولكن بالوقوف بقوة وبثبات مَع حلفائِنا المُتَحضّرينِ حول العالم، خصوصاً مع الأصوات الليبرالية في العربية السعودية، مَع المنشقّين الإيرانيينِ، ومَع المصلحين في أفغانستان.
أَقترحُ أيضاً الوقوف مع نظرائِهم في الغربِ، مَع مثل هؤلاء الأفرادِ كإيان هرسي علي [تصفيق] … مشرّع هولندي سابقاً والآن في المنفى في الولايات المتّحدةِ؛ مَع إرشاد منجي، المُؤلف الكندي [تصفيق] مَع وفاء سلطان، السورية في المنفى في الولايات المتّحدةِ التي كان ظهورها رائعا واستثنائيا على الجزيرة. أفراد مثل مجدي علام، مصري وهو الآن صحفي إيطالي مرموق، ناصر خضر، عضو برلمان في الدنمرك، سليم منصور، أستاذ ومُؤلف في كندا، وعرفان العلاوي، هنا في بريطانيا. [تصفيق]
في المقابل، إذا لم نقف مَع هؤلاء المسلمين المعتدلين، ووقفنا بدلاً من ذلك مَع أولئك الذين يودون قهرهم وتعذيبهم، أي وقفنا مَع الإسلاميين المتطرفين، مَع، قَدْ أَقُولُ، شخص ما مثل يوسف القرضاوي [تصفيق] نصبح إذاَ واقفين مَع أولئك الذين يُبرّرونَ عمليات التفجير الانتحارية، مع الذين يدافعون عن أشد صور وأشكالِ الممارسةِ الإسلاميةِ قمعاً، مع الذين يدعون إلى صراع أو صدام الحضاراتَ [وهي المقولة التي] نرفضها.
إلى الدرجة التي نعمل بها معا، ضدّ همجيةِ الإسلامِ الراديكالي المتطرف، يمكن أن توجد بالفعل حضارة عالمية - حضارة تتجاوزُ وتتعالى على لونَ البَشَرَة، والفقر، والجغرافية، والسياسة، والدين.
أَتمنّى أنّك، السيد العمدة، وأنا يُمْكِنُ أَنْ نتفق هنا والآن من أجل التعاون لتنفيذ مثل هذا البرنامجِ
انتهى كلام الدكتور دانييل بايبس،
أما حديثي مع السيد بسام درويش من خلال رسالة خاصة قال فيه ما يلي
عزيزي السيد هشام،
كان سيسعدني أن أفتح حواراً معك حول هذا الموضوع لكن وللأسف لا تسمح لي الظروف بالحوار من خلال الرسائل الشخصية، لأنني فردٌ ولست جزءا من أي منظمة، كما وليس عندي أي معين. ما اقوم به هو عمل فردي بحت يأخذ من وقتي ليله ونهاره.
مع ذلك أود ان اجيب على رسالتك راجياً أن تعذرني لعدم الاستفاضة في الرد:

1
ـ ما أكتبه لا يعكس آراء دكتور بايبس ولا دكتور بايبس يعكس آرائي. قمت بترجمة بعض مقالاته برجاء خاص منه اعتذرت بعد ذلك عن المتابعة لضيق وقتي. بعبارة أخرى أنا اختلف مع دكتور بايبس في أرائه وقد عبرت له عن ذلك منذ سنوات، لكن يبدو انه قد بدأ الأخذ بآرائي شيئاً فشيئاً وخاصة في لقائه الأخير في لندن الذي حضره مسلمون ويهود ومسيحيون.

2
ـ آرائي عن القرآن نابعة من دراساتي لمدارس الفقه الإسلامية والتفاسير الأكثر قبولا كالجلالين وابن كثير والطبري. المشكلة هي في النص وليس في تفسيره. هناك بالتأكيد نصوص تحتمل التأويل ولكن هناك نصوصاً أجمع عليها المفسرون والفقهاء، وليس فيها أي غموض. ربما يمكن إعادة النظر في تفسيرها من وجهة نظر تحسب حسابا لعوامل الزمن والأحداث التي رافقت نشوء الإسلام، لكن هذه المحاولات ستبقى عديمة الجدوى. الإسلام يصعب إصلاحه بإعادة تفسيره. الحل الوحيد هو فصل الإسلام عن الحكم وعن المدارس وعن الحياة العامة وأراهنك إنه ـ خلال فترة حياتي التي ربما لم يبق منها الكثير ـ لن يعيش أكثر من خمسين سنة.

3
ـ موضوع الصراع الإسرائيلي العربي ليس هو الموضوع الرئيس لكتاباتي رغم حتمية التطرق إليه. مشكلتي مع الإسلام هي في تعاليمه السيئة التي تمس جميع البشر دون استثناء بما في ذلك المسلمين أنفسهم. لكل دين من الأديان نصيب في مشاكل العالم، هذا أمر لا شك فيه، لكن الإسلام في كفّة، وأديان العالم كلها في كفة أخرى. لذلك، لا يهمني أمر الأديان الأخرى لأنها لا تمسني وإن مستني فلن أجد أية صعوبة في الدفاع عن نفسي أمامها دون خوف أو مجازفة بحياتي. أما الإسلام فأراه خطراً ليس علي فقط إنما على أتباعه وفي مقالاتي الكثير مما يعبر عن رأيي. لذلك أعتذر لعدم تمكني بالاستفاضة وقراءة مقالاتي الأخرى لا بدّ وأن تفي الموضوع حقه.

4
ـ أنا لا أنتمي إلى أية مجموعة دينية ولا سياسية ولا قومية. أنا مواطن أميركي من اصل سوري ولكني أؤمن بإنسانية جميع البشر وبأن لكل إنسان الحق في الوجود والتعبير والعمل، ومن هنا ينطلق خلافي مع الايديولوجية الإسلامية.

أشكرك وتفضل بقبول احترامي
بسام درويش
ردي عليه جاء في الشكل التالي

شكرا سيد بسام
نعم نحن مختلفين في المنهج المتبع لدراسة القرآن، فأنت تضع القرآن في قفص الإتهام و هو بريء و لن تتبث ادانته الا بحضور جميع الاطراف الفاعلة في الساحة آنذاك بمعنى المثن المقابل للقرآن و أي حكم في غياب هذه الاطراف يكون حكما ناقصا غير مبني على براهين علمية .. بل مبني على احكام قيمة مسبقة .
أما بالنسبة لمنهجك المستعمل فهو المنهج الستاتيكي المعروف بقراءاته الأدبية للنصوص وهذا المنهج سميناه مشروعا لقطع
الرؤوس لا إعادة التأويل فيها بل هو منهج لا يوتي علما و لا سلاما .


الشيء الاخر المهم قولك: ـ آرائي عن القرآن نابعة من دراساتي لمدارس الفقه الإسلامية والتفاسير الأكثر قبولا كالجلالين وابن كثير والطبري. المشكلة هي في النص وليس في تفسيره. هناك بالتأكيد نصوص تحتمل التأويل ولكن هناك نصوصاً أجمع عليها المفسرون والفقهاء، وليس فيها أي غموض. ربما يمكن إعادة النظر في تفسيرها من وجهة نظر تحسب حسابا لعوامل الزمن والأحداث التي رافقت نشوء الإسلام، لكن هذه المحاولات ستبقى عديمة الجدوى. الإسلام يصعب إصلاحه بإعادة تفسيره. الحل الوحيد هو فصل الإسلام عن الحكم وعن المدارس وعن الحياة العامة وأراهنك إنه ـ خلال فترة حياتي التي ربما لم يبق منها الكثير ـ لن يعيش أكثر من خمسين سنة.

هذا رأيك الشخصي لكنه لا يمثل رأي العلم هنا. لآنه مبني كما سبق و قلت عن أحكام قيمة مسبقة، وأضيف شيئا آخر هو بظهور نظرية الإعتراف الديني في 2005 هدم المنهج الستاتيكي الذي تتبناه بقوة الدليل العلمي و هدمت مصداقيته و مات معه ابرز المتفاخرين به و آخرهم الدكتورة أن ماري دلكومبر و رسالة الحاخام دافيد بن طاطا اليها تؤكد ما أقول .


أما قولك "أن الإسلام لن يعيش أكثر من خمسين عاما" أعتبره كلاما سطحيا و غير علمي لأن أحدث الدراسات في هذا المجال تثبث بأن العالم يتجه نحو التدين و ليس نحو الإلحاد مسيحيين و يهودا و مسلمين، هذا يدل بشكل آخر أن الأديان مستمرة استمرار الوجود على الارض بما فيها الاسلام.
أما بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي فهو الصراع الجوهري و لن يستقر العالم الا بوجود حل له، و الحلول السياسية لم تعطي أي سلام لانه اخذ بعدا أيديولوجيا و لن يكون الحل في المستقبل الأ ايديولوجياو القرآن هو اللاعب الآكبر بتواز مع التوراة .


و قولك الآخر: مشكلتي مع الإسلام هي في تعاليمه السيئة التي تمس جميع البشر دون استثناء بما في ذلك المسلمين أنفسهم. لكل دين من الأديان نصيب في مشاكل العالم، هذا أمر لا شك فيه، لكن الإسلام في كفّة، وأديان العالم كلها في كفة أخرى. لذلك، لا يهمني أمر الأديان الأخرى لأنها لا تمسني وإن مستني فلن أجد أية صعوبة في الدفاع عن نفسي أمامها دون خوف أو مجازفة بحياتي. أما الإسلام فأراه خطراً ليس علي فقط إنما على أتباعه وفي مقالاتي الكثير مما يعبر عن رأيي.


تعقيبا على ما قلت اضيف شيئا لا تعلمه لانك لست مهتما بالاديان كما قلت، و هو أن اليهود انفسهم منذ نشأة الاسلام رأوا ان القرآن هو النسخة العربية للتوراة و هذا الرأي لازال ساريا الى اليوم بل البحث العلمي يتبث من جديد ان القرآن هو استمرارية للكتب الأخرى و يأخذ منها لب دعوتها و عقائدها؛ وهذا يدل على أن الاديان كلها في واد منسجمة مع بعضها البعض و رأيك في واد آخر.

تفبل احترامي سيد بسام

نحن نختلف في المنهج المتبع في دراسة القرآن لذا فاننا نختلف في الرؤى .

سلام عليك
هشام بوكرين
:أما بالنسبة لردي على ما قال الدكتور بايبس فأبدأه أولا بما يلي
أتفق مع الدكتور بايبس في مجموعة من النقاط جملة و تفصيلا و بنفس القدر أختلف معه في نقاط أخرى، ما جاء في حديثه عن صدام
الحضارة و الهمجية أجزم في أنه مبني على رؤيا منطقية و واضحة للعيان لكنها تحتاج لبعض التوضيح فقط

إن الثورة الروسية التي آمن بها ملايين الروس و قدموا الدعم لها في بداية نشأتها باسمها قتلوا و شردوا و حرقت كنائسهم و سلبت ممتلكاتهم لذا لا يمكن أن نقول بأن ستالين هو ثوري راديكالي و من عارض سياساته ثوري معتدل حتى و إن انتموا لنفس الايديولوجية المؤسسة للثورة ؛ بل إن عقلية ستالين وظفت إسم الثورة و مصطلحاتها فأنزلتها عند رغباته الشخصية فقط و فعله هو خروج عن مبادىء الثورة التي وعدت الروس بالعدالة و المساوات و الكرامة الإنسانية.

فالظلم الستاليني الذي سماه عدالة من أجل حماية الثورة لا يمث بصلة لعدالة الثورة الروسية التي وعد بها الروس في بداية نشأتها.

إذن فإن العقلية التي أمرت بحرق المساجد و تدميرها في العراق هي نفسها العقلية التي أحرقت الكنائس في روسيا الستالينية؛ لذا لا يجب أن ننسب ما يجري في العراق و غيره ل"لإسلام الراديكالي المتطرف" بل هو همجية شبيهة بهمجية المرحلة الستالينية ولا يجب أن تضاف له تسميات أخرى.

لكن في الآ ن ذاته لا يجب ان نغفل بأن ما يسمى"إسلاما معتدلا" قد يوظف الديموقراطية للوصول إلى أهداف متطرفة على المدى القريب أو البعيد؛ و هذا يدفعنا لطرح السؤال حول معنى الإسلام الراديكالي المتطرف و المعتدل في غياب معيار حقيقي يمكننا من
الفصل بينهما؟

- أنا اقول دائما بأن هناك إسلام واحد، أو بمعنى أدق "قرآن" هو مصدرلهذا "الإسلام" ثم مسلمون متطرفون و معتدلون يوظفون القاموس الديني في خطاباتهم
.السياسية لذا فإنهم سياسيون فقط ولا يجب بأي حال من الأحوال أن نجعل منهم وجها للقرآن مصدر الإسلام
لن أتوقف عند هذا الكلام فقط، بل هو مستمر من خلال عدة مقالات قادمة ستكشف الغطاء عن الزاوية التي أحلل من خلالها بعض
الظواهر و التي يعتبرها البعض مغلقة غير قابلة للتغيير.

- مقالي القادم سيكون بعنوان – نظرية الاعتراف الديني هي منطوق النص و مقصوده- و أعتبره مقدمة لمجموع الردود التي أعتزم القيام بها لرفع اللبس حول بعض التعريفات السائدة و التي فقدت معناها بعد ظهور هذه النظرية
هشام بوكرين
مهتم بنظرية الإعتراف الديني.
مؤسس الصهيونية الإسلامية الأصولية